Beirut weather 21.32 ° C
تاريخ النشر February 5, 2026
A A A
هل يوافق الإقليم على الشروط الإسرائيلية؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– ببساطة تراجعت واشنطن عن موافقتها على جولة مسقط المخصّصة للملف النووي مع إيران كتمهيد للانتقال إلى صيغة إقليمية تضمّ دول المنطقة في اسطنبول، بعدما كانت قطر قد نقلت لإيران ونشر مسؤولون قطريون وعمّمت قناة الجزيرة عنهم الموافقة الأميركية على جولة جديدة ثنائية إيرانية أميركية في مسقط تنحصر بالملف النووي، والدول المعنية في المنطقة وهي إضافة إلى قطر تركيا والسعودية ومصر وعمان وباكستان، وكانت قد لعبت دوراً في دفع واشنطن للمسار التفاوضي سعياً لتفادي تداعيات الحرب الخطيرة على الجميع، وبعدما صار واضحاً أن المسؤولين الأميركيين يدركون أن الحرب مخاطرة غير مضمونة وأن النتائج المرجوة صعبة التحقيق إن لم تكن مستحيلة، سواء كانت استسلام إيران أو إسقاط النظام الإسلامي فيها، كما اعترف بذلك وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في جلسة استماع أمام لجنة من لجان الكونغرس.

– الدول الإقليمية تنتمي إلى معسكر له تاريخ الانحياز إلى الضفة الأميركية في الصراع مع إيران، بل إن غالبية هذه الدول كانت شريكاً لـ”إسرائيل” في حملة إسقاط اتفاق 2015، والسعي لوصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أملاً بإلغاء الاتفاق، وكان عنوان التطبيع عام 2017 في المنطقة السعي لتحالف إسرائيلي عربي إسلامي ضد إيران، لكن كل شيء تغير خلال السنة الأخيرة، حيث لم تعد المتغيرات الدولية المتمثلة بصعود الصين وروسيا أسباباً وحيدة لسياسات إقليميّة تسعى للتوازن بين القوى العالمية الكبرى، أميركا وروسيا والصين، بعدما اكتشفت دول الإقليم وخصوصاً مصر والسعودية وتركيا، نتائج سقوط سورية الذي لعب الإقليم دوراً محورياً فيه، ليجد “إسرائيل” تتسيّد على العرب والأتراك في سورية، وتحظى بدعم وحماية واشنطن، ويصير السؤال ماذا لو حدث في إيران ما حدث في سورية؟ ماذا سيبقى للعرب والأتراك في المنطقة أمام التغوّل الإسرائيلي، لكن أحداً لم يفعل شيئاً لمنع الحرب التي شنّتها أميركا و”إسرائيل” على إيران في حزيران العام الماضي، حتى جاءت الحصيلة تدفعهم للتحرّك.

– باتت الصورة بعد حرب حزيران واضحة، سواء لجهة أن إسقاط النظام ليس هدفاً سهلاً، أو لجهة أن انتزاع الاستسلام من القيادة الإيرانية يبدو مستحيلاً، أو لجهة أن لدى إيران قدرة على مواصلة الحرب رغم كل ما لحقها من إصابات في الحرب الأميركية الإسرائيلية وإن زمام المبادرة والقدرة على إلحاق الأذى تختلّ بقوة لصالح إيران في مواجهة “إسرائيل” كلّما مرت أيام الحرب وأن أميركا تصبح أكثر حذراً من حرب استنزاف تبدو إيران مستعدّة للمضي بها، وصولاً إلى إقفال مضيق هرمز، وإلحاق الأذى بالأسطول والقواعد الأميركية في المنطقة، وازدادت الصورة وضوحاً مع محاولة الذهاب إلى الحرب في نهاية العام الماضي ومطلع العام الحالي، والتراجع عن ذلك بعدما ثبت أن إيران أكثر استعداداً من “إسرائيل”، وأن الشعب الإيراني لا يزال متمسكاً بغالبية كافية بالحفاظ على النظام الإسلامي، ولذلك رفع الإقليم صوته ليقول لواشنطن إن هذه الحرب مرفوضة وإن المطلوب هو إعادة تفعيل المسار التفاوضي هذه المرة.

– تعثر التفاوض عندما قبلت أميركا شروط إيران باستئناف مفاوضات مسقط بشروطها، أي ثنائية ومحصورة بالملف النووي، لأن “إسرائيل” نجحت بالضغط ولأن واشنطن استجابت، فهل يسمح الإقليم بالشروط الإسرائيلية، الحرب أو اشتراط التفاوض على البرنامج الصاروخي الإيراني وتحالفات إيران الإقليمية، وأمام الإقليم معادلة إيرانية إسرائيلية؟ والسؤال إذا قال الخليج مثلاً إنه لا يريد صواريخ إيران البالستية فهل يستطيع القول لواشنطن بالمقابل بنزع قدرات سلاح الجو الإسرائيلي والقدرة النووية الإسرائيلية والصواريخ البعيدة المدى لدى “إسرائيل”، أما عن التحالفات الإقليمية فمن يستطيع من العرب مطالبة واشنطن بمنع “إسرائيل” من العبث في المدى الجيوسياسي العربي والإسلامي وآخر تجلياته في أرض الصومال، وفيما يمكن لموقف عربي إسلامي داعم لموقف إيران أن يحظى بتعاون إيراني في تسوية النزاعات التي تتصل بدور حلفائها في الإقليم من اليمن إلى لبنان والعراق؟

– وصلت رسالة الإقليم إلى واشنطن من جديد بالدعوة للحفاظ على المسار التفاوضي ومناخ التهدئة وعدم إفساد فرصة مسقط بالتفاوض حول الملف النووي، وبعدها اذا تمّ الاتفاق يمكن أن يشكل إطاراً مناسباً للبحث في كل القضايا الأخرى ضمن صيغ تعاون إقليمية، وفي وقت لاحق أعلن مسؤولون أميركيون أن البيت الأبيض استجاب لطلب الدول الحليفة في المنطقة بقبول التفاوض وفق الصيغة التي عرضتها إيران في مسقط.
– هذا التجاذب سوف يستمرّ وخيار الحرب لم يسحب نهائياً والتفاوض سوف يجري على صفيح ساخن، و”إسرائيل” ستفعل ما تستطيع لنسف مسار التفاوض بعدما تلاعبت بواشنطن عندما حاولت توسيط روسيا مع إيران لتفاهم تحييد متبادل في حرب أميركية إيرانية وردّت إيران بالرفض فاضطرت للعودة إلى الشراكة التي جعلتها إيران إجبارية في أي حرب أميركية. وكما أعلن مكتب نتنياهو أن “إسرائيل” سوف تفعل ما تستطيع لتخريب فرص التوصل إلى اتفاق نووي بين إيران وأميركا.