Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر February 4, 2026
A A A
عون في مدريد… مؤتمر دعم الجيش على الطاولة
الكاتب: دوللي بشعلاني

كتبت دوللي بشعلاني في “الديار”:

شكّلت زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى إسبانيا محطة سياسية – أمنية دقيقة، في لحظة مفصلية يمرّ بها لبنان، مع اقتراب انعقاد مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي في باريس في الخامس من آذار المقبل، وفتحت النقاش الجدي حول ملف بالغ الحساسية، يتصل بمستقبل الجنوب اللبناني، بعد الانسحاب النهائي لقوات “اليونيفيل” منه في العام 2027.

في هذا الإطار، اكتسبت المحادثات التي عُقدت في قصر لا مونكلوا بين عون ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، دلالات تتجاوز الدعم التقليدي، لتلامس إعادة تموضع أوروبي – عربي أوسع في مقاربة الملف اللبناني. وبحسب مصادر ديبلوماسية لبنانية مطلعة على أجواء قصر بعبدا، إنّ زيارة الرئيس جوزاف عون إلى إسبانيا أتت في توقيت حاسم، واكتسبت أهمية خاصة بالنسبة للبنان لأسباب عديدة. فهي دولة أوروبية مشاركة في القوات الدولية في الجنوب اللبناني، ولديها علاقات واسعة على الصعيد الدولي، خصوصاً في دول أميركا اللاتينية، ما يجعلها شريكاً مهماً للبنان في ملفات متعددة.

وتقول المصادر بأنّ الزيارة لم تقتصر فقط على توقيع ثلاث اتفاقيات، ومذكرات تفاهم متعلقة بالتعاون في مجالات التعليم، التدريب الديبلوماسي، الثقافة والزراعة، بل ركّزت المحادثات خلالها على ثلاثة محاور أساسية هي:

– أولاً: ملف الجنوب والقوات الدولية: تعتبر إسبانيا على اطلاع دقيق بما يجري في الجنوب اللبناني، كونها تشارك ضمن قوات”اليونيفيل” بكتيبة تضمّ 689 عسكرياً. وخلال لقاءاته مع المسؤولين الإسبان، شرح الرئيس عون الصعوبات التي تواجه الجيش اللبناني والقوات الدولية، والاعتداءات التي يتعرضون لها، مشدداً على أنّ انتشار الجيش اللبناني على كامل الحدود الجنوبية يتعثر، بسبب الاحتلال “الإسرائيلي” لبعض المواقع. وأشار إلى أنّ الجيش أزال كلّ المظاهر المسلّحة في المنطقة التي ينتشر فيها، فيما تظلّ بعض المناطق المحتلة مجهولة الوضع بالنسبة للبنان، بما في ذلك الأنفاق والمخابئ.

وطلب الرئيس عون من إسبانيا التدخل للضغط ضمن الاتحاد الأوروبي على “إسرائيل” لتحقيق أمرين:

1- وقف الأعمال العدائية وبدء الانسحاب من الأراضي اللبنانية، وإعادة الأسرى اللبنانيين، خصوصاً الذين لم يشاركوا في القتال وكانوا يتفقّدون منازلهم الحدودية عند اختطافهم على يدّ “الإسرائليين”، بعد اتفاق وقف النار في شباط من العام الماضي.

2- السماح للصليب الأحمر الدولي بالاطلاع على أوضاع هؤلاء الأسرى، إذ أنّ مصيرهم لا يزال مجهولاً، ويعدّ هذا الملف إنسانياً بامتياز. كما شدّد الرئيس على ضرورة انسحاب “إسرائيل” من القرى المدمّرة، لتمكين لبنان من بدء مرحلة إعادة الإعمار.

وتطرّقت المحادثات إلى مستقبل قوات”اليونيفي” في الجنوب، وقد أكّدت المصادر الديبلوماسية أنّ إسبانيا أبدت رغبتها بالبقاء ضمن القوات الأوروبية المشاركة. وحتى الآن، أبلغت إيطاليا (التي تشارك في “اليونيفيل” بـ 784 عسكرياً)، وفرنسا (636)، وألمانيا (179 عسكرياً ضمن القوّة البحرية) لبنان برغبتها في استمرار المشاركة، إلى جانب اندونيسيا (التي تضم كتيبتها 756 جندياً). وتجرى حالياً مشاورات حول الإطار القانوني والبنيوي لاستمرار هذه القوّات، سواء ضمن قرار أممي أو تحت تسمية أخرى، على أن تتخذ إسبانيا قرارها بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي.

– ثانياً: تناولت المحادثات، على ما تضيف المصادر الديبلوماسية، عمل لجنة “الميكانيزم”. وجرت جولة أفق حول الأوضاع الإقليمية، والتهديدات”الإسرائيلية” المستمرة للبنان، مع بحث سبل الاستفادة من العلاقات الدولية لإسبانيا لوقف هذه التهديدات.

وفي موازاة البعد الأمني، تدعم إسبانيا الخطوات التي يتخذها لبنان لتعزيز الأمن والاستقرار، لأنّ استقراره يُعدّ مصلحة إسبانية وأوروبية مباشرة، في ظلّ تشابك ملفات الأمن والهجرة والطاقة في شرق المتوسط.

– ثالثاً: كان مؤتمر دعم الجيش اللبناني في صلب المحادثات مع رئيس حكومة إسبانيا بيدرو سانشيز. وشدّد الرئيس عون خلال اللقاء على أنّ لبنان يولي أهمية خاصة لمشاركة إسبانيا في هذا المؤتمر، ليس فقط من زاوية الدعم المالي أو التقني، بل لكون مدريد لاعباً مؤثّراً داخل الاتحاد الأوروبي، وصاحبة حضور عسكري طويل في جنوب لبنان منذ العام 2006. والمقاربة اللبنانية التي عرضها عون تقوم على ربط الدعم الدولي للجيش برؤية استراتيجية طويلة الأمد.

وأبدت إسبانيا استعدادها للمشاركة على مستوى وزاري في المؤتمر، سواء وزارة الدفاع أو الخارجية. وكشفت المعلومات عن أنّ مدريد قرّرت إدراج لبنان ضمن الدول ذات الأولوية في الخطة الرئيسية للتعاون الإسباني 2024–2027، ومضاعفة مساعدات الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي أربع مرات لتصل إلى 30 مليون يورو خلال ثلاث سنوات.

كذلك بحث عون مع المسؤولين الإسبان تعزيز العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، بما يشمل التبادل التجاري الذي يميل حالياً لصالح إسبانيا، وجرى الاتفاق على دراسة آليات لدعم التوازن التجاري اللبناني. كما تناول اللقاء التعاون الثقافي، سيما وأنّ لإسبانيا ثلاثة مراكز ثقافية في لبنان سيتم تطويرها، فضلاً عن تدريب الديبلوماسيين اللبنانيين في الأكاديمية الديبلوماسية الإسبانية، وتعزيز التعاون الزراعي.

ولفتت المصادر الديبلوماسية إلى أنّ الملك الإسباني فيليبي السادس يحمل تقديراً خاصاً للبنان، وقد زاره عام 2015 أثناء الشغور الرئاسي والتقى الكتيبة الإسبانية العاملة في الجنوب، وأبدى رغبته في زيارة لبنان مجدداً، فوجّه رئيس الجمهورية دعوة رسمية له.

أمّا أهمية زيارة مدريد في التوقيت الراهن، فتكمن وفق المصادر، في تحريك الملف الأوروبي بشكل مباشر، إذ أنّ إسبانيا تعتبر بعد فرنسا أحد أبرز الشركاء للبنان، ومن الضروري أن تطلع على الأوضاع على الأرض، قبل مؤتمر دعم الجيش المرتقب في باريس.

أمُا الرئيس عون، بحسب المصادر الديبلوماسية، فتعامل معها كجزء من مسار ديبلوماسي أوسع، يهدف إلى تأمين شبكة أمان دولية للجيش اللبناني وإشراك العواصم الأوروبية الفاعلة، في إعادة رسم مقاربة أمنية جديدة للجنوب، تواكب التحوّلات الإقليمية، وتحمي من أي فراغ أمني بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل”.

علماً بأنّ تحرّك لبنان، بتمّ ضمن مناخ عربي داعم لمبدأ تقوية الجيش اللبناني، تتقدّمه السعودية وإن بعيداً عن الأضواء. والموقف السعودي من مؤتمر دعم الجيش في باريس، يقوم على مقاربة واضحة: أي دعم للبنان يجب أن يمرّ حصراً عبر مؤسسات الدولة الشرعية، وفي مقدّمها الجيش، باعتباره الضامن الوحيد للاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى. فالرياض تنظر إلى المؤتمر بوصفه اختباراً جدياً لإرادة المجتمع الدولي في مساعدة لبنان على استعادة سيادته، لا مجرد محطة مالية عابرة.

وقد شاركت السعودية، بحسب المعلومات، إلى جانب فرنسا والولايات المتحدة، في بلورة الإطار السياسي للمؤتمر، مع التركيز على أن يكون الدعم موجهاً نحو التأهيل وبناء القدرات، ومرفقاً برؤية إصلاحية تعزّز ثقة الدول العربية والدولية بالدولة اللبنانية.