Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر February 3, 2026
A A A
هل قبلت واشنطن بحصر التفاوض بالنووي؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

تحدّث خبراء إسرائيليون عن ضياع لحظة تاريخية للحرب الأميركية على إيران بسبب ما وصفه بتخاذل الحلفاء وفي طليعتهم “إسرائيل”، التي لم يعد خافياً أنها بذلت جهوداً لتوسيط موسكو من أجل التوصل إلى اتفاق مع إيران بعدم الاستهداف المتبادل في حالة حرب أميركية إيرانية، وأن الرفض الإيراني هو الذي أعاد “إسرائيل” إلى حلبة التنسيق في خيار الحرب مع أميركا التي فقدت الحماسة لحرب تدفع فاتورتها وتتبنّى لها مطالب سبق وكانت مطالب إقليمية لا علاقة لأميركا بها. ويقول هؤلاء إن خطاب بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس بعد اتفاق 2015 لم يركز على البنود النووية من الاتفاق بقدر تركيزه على تجاهل الاتفاق للبرنامج الصاروخي الإيراني ودعم إيران لقوى المقاومة في المنطقة ومثله فعل حكام الخليج يومها، وإن ما تلقته واشنطن من رفض خليجي للحرب ومن تهرّب “إسرائيل” من استعداد لتحمل فاتورة الحرب دفع لإعادة حسابات أميركية؟

 

– بالتوازي باتت أميركا على معرفة تفصيلية بما ينتظرها في حال الحرب، والثابت أولاً أن ليست هناك فرصة لضربة حاسمة ولا لمواجهة تمتد لأيام محدودة، ولا لحرب تسقط النظام، وأن النجاح بضربة تتسبب بخسائر إيرانية كبيرة لن يحسم الحرب، والنجاح بتحريك قوى داخلية وجماعات مسلحة منظمة في الداخل لن يسقط النظام، وأن إيران سوف تكون قادرة رغم حجم خسائرها أن تتابع الحرب وتوجه ضربات مؤلمة تستهدف القواعد والأساطيل الأميركية ويكون لـ”إسرائيل” النصيب الأكبر منها، وأنه مع تقدم الأيام سوف تحقق إيران نسبة من التوازن في الألم إن لم يكن توازناً في الخسائر، وسرعان ما سوف يصبح الخيار أمام واشنطن بين مواصلة حرب استنزاف طويلة فيها نزيف دماء وخسارة سفن وربما حاملات طائرات وصراخ إسرائيلي من شدة الألم وحجم الخسائر، أو القبول بالتفاوض وفق معادلة توازن ربما يكون التفاوض اليوم متاحاً بظروف أفضل من ظروفها.

 

– تعرف واشنطن أن قبول الخيار التفاوضي ما لم يكن مناورة لتغطية الحرب تكتيكياً، يجب أن يأخذ بالحساب استحالة التفاوض على غير الملف النووي بالنسبة لإيران، لأن إيران واثقة بأن إضعاف سلاحها الصاروخي ليس إلا خطوة نحو حرب لاحقة تدخلها إيران بلا صواريخها وتهزم فيها سريعاً وتفرض عليها حينها شروط الاستسلام، كما أن إيران تعتبر أن تخليها عن حركات المقاومة يعني تخلياً عن علاقتها بفلسطين التي تشكل جوهر شرعية نظامها الإسلامي الذي يشكل الإطار الوحيد لوحدة عدد من القوميات والإثنيات في الجمهورية الإسلامية، وفي حالة القبول بحصر التفاوض على الملف النووي فقط سوف تثق إيران بأن واشنطن تريد استبدال المسار التفاوضي بالمسار العسكري.

 

– إشراك دول المنطقة في المفاوضات، بما يتعدّى مجرد دور الوسيط التركي عبر دعوة وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وعمان وقطر للمشاركة في المفاوضات ليس مجرد دعوة للوسطاء بل هو إنشاء إطار تفاوضيّ طويل المدى يشكل نوعاً من نظام إقليمي جديد تغيب عنه “إسرائيل”، وتناط به على مدى متوسط وطويل مهام تسوية النزاعات في دول المنطقة، بعدما تغيّرت مواقف هذه الدول من دعوة أميركا للحرب على إيران إلى التحذير من مخاطر هذه الحرب وما سوف تجلبه من خراب اقتصاديّ على المنطقة ودولها، والخشية من فشل أميركا في الحسم والدخول في حرب استنزاف تصبح دول المنطقة مسرحاً لها، والخشية في حال الحسم الأميركي من إهداء النصر لـ”إسرائيل” كما حدث في سورية التي استثمر العرب وتركيا فيها كثيراً على إسقاط النظام ولم ينالوا إلا الخسائر بينما تتصرف “إسرائيل” باعتبارها سيدة الموقف، وقد وصلت في تغولها إلى حدائق خلفية لدول مثل السعودية التي شعرت بالتهديد في أرض الصومال وحضرموت، بينما تواجه تركيا تحدياً كبيراً في سورية وحول دورها في غزة.

 

– القبول الأميركي بحصر التفاوض بالملف النووي لا يمكن أن يكون نوعاً من الفكفكة التدريجية للملفات، بمقدار ما يمثل قبولاً للأجندة الإيرانية التفاوضية، وما يعنيه ذلك من تخلٍّ عن خيار الحرب، وهذا سوف يدفع إيران إلى البحث عن حلول مرضية لأميركا نووياً، ليست بالضرورة التخلي عن تخصيب اليورانيوم بل على الأرجح تنازلات في نسبة التخصيب وكمية اليورانيوم المخصب ومصيره وحجم المفتشين وربما جنسياتهم، وعدد الكاميرات وأماكن نشرها، لكن يبقى السؤال الأهم هو هل تقدم أميركا على هذا التحول وهي تعلم أنه إعلان فك ارتباط بالأجندة الإسرائيلية في المنطقة، وتشكيل نظام إقليمي دون “إسرائيل” بدلاً من نظام إقليمي تديره “إسرائيل”، أم تمضي بما يجري من استعدادات للحرب بالتعاون مع “إسرائيل” وتترك قرار التفاوض لما بعد جولة من الحرب تكشف قدرة “إسرائيل” على التحمل، ويصبح التفاوض عندها على قاعدة موازين ما تخلقه الحرب؟