Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 2, 2026
A A A
واشنطن والحلفاء بين خياري الحرب والتفاوض
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

خاضت الولايات المتحدة مواجهة مباشرة مع إيران، واستعدّت لحرب ثانية، وبدت عشية جولة ثالثة قبل أن تتراجع خطوة إلى الوراء. هذا التراجع بقدر ما يعكس ترددًا في المخاطرة باستخدام القدرة العسكرية في حرب تمتدّ أسابيع وشهوراً ولا تسقط النظام، وهو ما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خشيته من حدوثه في تفسير تخلّيه عن خيار الحرب في الجولة الثانية، وهو ما قاله وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في حديثه عن الجولة الثالثة عن مخاطر كثيرة ونتائج غير مضمونة، بقدر ما يكشف أيضاً مأزقًا سياسيًا داخل معسكر الحلفاء نفسه. لأن واشنطن تكتشف اليوم أن الحرب حتى عندما تبدو ممكنة عسكريًا، فهي غير متفق على أهدافها ولا على أثمانها ولا على مَن يجني نتائجها في معسكر الحلفاء الإقليميين، عدا التحفظ الأوروبيّ القلق من توقف مصدر الطاقة الوحيد المتبقي بعد إغلاق المصدر الروسي منذ حرب أوكرانيا.

تدخل أميركا أي حرب أو تفاوض مع إيران بثلاثة عناوين كبرى: الملف النووي، البرنامج الصاروخي، وشبكة التحالفات الإقليمية. غير أن هذه العناوين لا تحمل الوزن نفسه عند أطراف التحالف الذي تعمل معه واشنطن في المنطقة والذي يضمّ “إسرائيل” وتركيا ودول الخليج،. وإذا كان الملف النووي يمثل أولوية أميركية مباشرة، فإن واشنطن تتحدّث عن تحييد الصواريخ والتحالفات باعتبارها مصالح مشتركة مع الحلفاء الذين تطالهم الصواريخ في مداها الناري في أي نزاع عسكريّ مع إيران، والذين تعمل تحالفات إيران الإقليمية في المدى الأمني لكل منهم.

بالنسبة لواشنطن، يقول الديمقراطيون وبعض المسؤولين في إدارة الرئيس ترامب يبقى الهدف الأساسيّ هو منع إيران من التحوّل إلى قوة نووية كاملة. وهذا الهدف يمكن تحقيقه بالحرب أو بالتفاوض، ولا يستدعي بالضرورة تفكيك بنية القوة الإقليمية الإيرانية دفعة واحدة. لذلك ذهبت إدارة الرئيس باراك أوباما إلى الاتفاق النووي، وتميل الإدارة الأميركية الحالية إلى تعديل الاتفاق ببصمة يفرضها الرئيس ترامب إذا كان خيار الحرب مستبعداً، ولذلك كلما اقتربت من لحظة القرار، نراها تعمد إلى فصل الملف النووي عن باقي الملفات، والتعامل معه كعنوان مستقل.

“إسرائيل” التي تشكل شريكاً كاملاً في الحرب على إيران كما أظهرت الجولة الأولى التي بدأتها “إسرائيل” وكما ظهر في الجولة الثانية التي قيل إن “إسرائيل” تمنّت تأجيلها لعدم جاهزيّتها تحمل تداعياتها، ترى أن الاقتصار على النوويّ خطأ استراتيجيّ. فهي تعتبر أن الخطر الحقيقيّ ليس في القنبلة وحدها، بل في بقاء إيران دولة قوية تمتلك صواريخ دقيقة وشبكة تحالفات تطوّقها. وهذا يفسّر إصرارها على حرب تشمل كل العناوين وإن كانت لا تستبعد تسوية بعد الحرب وليس قبلها، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الحرب تتجاوز قدرتها الذاتيّة، وتتطلّب انخراطًا أميركيًا كاملاً، لكن بعد الجولة الأولى التي شهدها حزيران العام الماضي بدأت “إسرائيل” تعيش قلق تداعيات الحرب، والتقارير الصحافية تتحدّث عن تعاكس في الاتجاهات الإيرانيّة الإسرائيلية، حيث بمقدار ما تسعى “إسرائيل” لجعل الحرب أميركية خالصة وتوسيط موسكو لتحييد “إسرائيل” من التداعيات عبر تفاهم ضمني مع إيران، تبدو إيران مُصرّة على جعل “إسرائيل” تدفع أكبر ثمن للحرب حتى لو لم تشترك فيها.

دول الخليج، حساباتها مختلفة جذريًا. فهي لا تعارض الضغط على إيران، لكنها تخشى أن تكون ساحة الرد المباشر حيث تنتشر القواعد الأميركية. وتخشى السيناريو الأسوأ لإقفال مضيق هرمز وتوقف تجارة الطاقة وانعكاساته المالية والاقتصادية عليها، والأهم أنها تحمل ذاكرة سياسية قاسية من التجربة السورية، حين موّلت وساندت حربًا أميركية أملاً في مكاسب استراتيجية، قبل أن تكتشف أن مرحلة ما بعد الحرب أُديرت لمصلحة “إسرائيل”، وأن شرط الاستقرار فُرض لاحقًا على قاعدة تقاسم النفوذ معها، فيما جرى تحجيم دور مَن دفع الثمن، والفارق في حالة إيران أكبر بكثير ولا رجعة فيه حيث سيكون لـ”إسرائيل” مكانة قائد الشرق الأوسط الجديد الذي لا يقيم اعتباراً لأحد.

تركيا تشارك هذا الحذر، ولكن من زاوية جيوسياسيّة أوسع. لأن أنقرة ترى في التجربة السورية مثالًا على كيف يمكن أن تتحوّل الحرب، عند لحظة التسوية، إلى خسارة نفوذ لا رجعة فيها. لكنها تخشى أن يؤدي التوسّع في استهداف إيران إلى مزيد من الاستثمار على العامل الكردي، وتقلق من أن ينتهي أي انهيار إيراني غير مضبوط إلى صعود هذا الدور الكردي، وإعادة رسم خرائط الإقليم، من الملف الكردي إلى طرق الطاقة والنفوذ في آسيا الوسطى، بطريقة تُفرض عليها كأمر واقع أميركي إسرائيلي.

إذا كانت “إسرائيل” الطرف الوحيد الذي خرج رابحًا صافياً من التجربة السورية، حيث لم تموّل الحرب ولم تتحمل كلفها المباشرة، لكنها نجحت في فرض أمنها كشرط لأيّ استقرار لاحق. ولعل هذا النموذج هو ما يجعلها أكثر اندفاعًا نحو مواجهة مع إيران، لأنها تثق بأن مرحلة ما بعد الحرب ستُدار مرة أخرى وفق أولوياتها، لا وفق أولويات من خاضوا المواجهة فعليًا، إلا أنّها تخشى تكلفة لا تستطيع تحملها من حرب تطول أو حرب تتوقف في منتصف الطريق لأن واشنطن اكتشفت أنها في طريق مسدود لا نصر فيه، لذلك ينخفض صوت تل أبيب هذه المرّة رغم كثافة تحرّكات مسؤوليها.

تواجه واشنطن تباينًا حادًا في تعريف النصر داخل معسكرها. “إسرائيل” تريد حربًا وجوديّة كاملة دون تكلفة كبيرة، بينما الخليج وتركيا يخشيان تكرار تجربة دفع الثمن وخسارة المكاسب، وفيما ينادي البعض في أميركا بمخاطبة الحلفاء وفق معادلة إما شراكة كاملة في حرب شاملة بكل كلفها ومخاطرها، من دون ضمانات واضحة لمرحلة ما بعدها، أو القبول بتفاوض يقتصر على الملف النووي ويؤجل الملفات الأخرى. لذلك يبدو أن الجولة الثالثة تتأجّل ولذلك تبدو تركيا في الواجهة السياسية للبحث عن المخارج.