Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر January 31, 2026
A A A
لبنان في مرآة ابن خلدون
الكاتب: طارق ترشيشي - الجمهورية

 

 

وذكّر لعلّ الذكرى تنفع المؤمنين، وحال لبنان اليوم تذكّرنا وتعيدنا إلى ما خطّه.

ابن خلدون في «مقدمته» الشهيرة، وكان ولا يزال ينطبق على أمم ودول كثيرة في عوالمنا المتعاقبة من القديم إلى الحديث والمعاصر. فما كتبه أو نطق كان وما زال صالحاً لكل زمان ومكان…

 

قال ابن خلدون في مقدمته: «عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والشحاذون والمنافقون والمدّعون والكتبة والقوّالون والمغنون النشازون والشعراء النظّامون والمتصعلكون وضاربو المندل وقارعو الطبول والمتفقهون وقارئو الكف والطالع والنازل والمتسيّسون والمدّاحون والهجّائون وعابرو السبيل والإنتهازيون .. تتكشف الأقنعة ويختلط ما لا يختلط، يضيع التقدير ويسوء التدبير، وتختلط المعاني والكلام ويختلط الصدق بالكذب والجهاد بالقتل. وتتفتق الفرائض ويسود الرعب ويدلهم الأفق وتطول المناظرات ويلوذ الناس بالطوائف وتظهر العجائب وتعمّ الإشاعة ويتحول الصديق إلى عدو والعدو إلى صديق، ويعلو صوت الباطل ويخفق صوت الحق وتظهر على السطح وجوه مريبة وتختفي وجوه مؤنسة، وتشحّ الأحلام ويموت الأمل وتزداد غربة العاقل وتضيع ملامح الوجوه ويصبح الإنتماء إلى القبيلة اشدّ التصاقاً وإلى الأوطان ضرباً من ضروب الهذيان. ويضيع صوت الحكماء في ضجيج الخطباء، ويسود الهرج في الأسواق والمزايدات على الإنتماء ومفهوم القومية والوطنية والعقيدة وأصول الدين، ويتقاذف أهل البيت الواحد التهم بالعمالة والخيانة، وتسري الإشاعات عن هروب كبير وتُحاك الدسائس والمؤامرات وتكثر النصائح من القاصي والداني وتُطرح المبادرات من القريب والبعيد ويتدبّر المقتدر أمر رحيله والغني أمر ثروته ويصبح الكل في حالة تأهّب وانتظار، ويتحول الوضع إلى مشروعات مهاجرين ويتحول الوطن إلى محطة سفر والمراتع التي نعيش فيها إلى حقائب والبيوت إلى ذكريات والذكريات إلى حكايات»…

 

لبنان المنهار

لم يكن أبو التاريخ وعلم الاجتماع ابن خلدون مؤرخاً يدوّن ما كان، بل شاهداً على ما يتكرّر. وما كتبه عن انهيار الدول لا يُقرأ اليوم كنصّ تراثي، بل كبيان تشخيصي لحالة لبنان، حيث لم يعد الانهيار حدثاً طارئاً، بل نمط حياة، ولم تعد الدولة كياناً، بل ذكرى متنازعاً عليها.

في لبنان المنهار، يزدهر كل ما ينمو في العتمة: سماسرة الخوف، تجّار الطوائف، خطباء الفتنة، ومنجّمو السياسة الذين يبيعون الناس أوهام الخلاص مقابل مزيد من الخراب. يعلو الصراخ، ويغيب العقل، ويُختصر الوطن بشعار، وتُختزل السيادة بخطاب، وتُقاس الوطنية بحدّة التخوين لا بعمق الفعل.

هنا، لا تسقط الدولة دفعة واحدة، بل تتآكل ببطء. تسقط أولاً هيبتها، ثم عدالتها، ثم معناها. وحين يفقد الناس ثقتهم بالدولة، يبحثون عن بدائل بدائية: الطائفة تصبح وطناً، والزعيم يصبح قانوناً، والغريزة تحلّ محل الدستور. في هذا المشهد، لا يعود الانتماء إلى لبنان رابطة جامعة، بل تهمة تُفسَّر حسب المزاج السياسي، فيما تُرفع رايات الانقسام باسم حماية الهوية.

وكما قال ابن خلدون، «يعلو صوت الباطل ويخفت صوت الحق». في لبنان، الحق لا يُهزم لأنّه ضعيف، بل لأنّه وحيد. الحكماء على الهامش، والخبراء في المنفى، وأصحاب الرأي أسرى حسابات الطوائف. أما المنابر، فقد صارت ساحات مزايدة، يتبارى فيها الخطباء على من يرفع السقف أعلى، ولو سقط السقف على رؤوس الجميع.

أخطر ما في الانهيار اللبناني أنّه لم يعد يُرعب الناس، بل اعتادوه. صار الفقر رقماً، والهجرة خياراً عقلانياً، والانهيار مادة يومية للنكات السود. وهنا يبلغ الخراب ذروته: حين يتحول الوطن محطة عبور، والبيت حقيبة، والذاكرة سردية تُروى لأبناء سيولدون خارج الجغرافيا.

يتقاذف أهل البيت الواحد تهم العمالة والخيانة، لا دفاعاً عن الحقيقة، بل عن المواقع. تُنسج المؤامرات في العلن، وتُدار الصفقات في الظل، فيما «المقتدر يتدبر أمر رحيله، والغني أمر ثروته»، تاركين دولة فارغة إلّا من شعاراتها. أما الفقراء، فيُتركون لمصيرهم، يفاوضون الخبز والدواء والكهرباء كما لو كانت امتيازات لا حقوقاً.

لبنان اليوم ليس دولة فاشلة فقط، بل فكرة متداعية. فكرة المواطنة تُستبدل بالعصبية، وفكرة العدالة تُؤجَّل إلى ما بعد التسويات، وفكرة الغد تُؤجَّر لمن يملك تذكرة سفر. هذا ليس قدَراً، بل نتيجة مسار طويل من الإنكار والفساد وتقاسم الغنائم على أنقاض وطن.

ابن خلدون لم يكن يتنبأ، بل كان يحذّر. وما نعيشه اليوم ليس لعنة التاريخ، بل ثمن تجاهله. فإما أن يستعيد اللبنانيون معنى الدولة قبل أن تختفي من الوعي، أو يكتفون بروايتها كحكاية قديمة تبدأ بـ«كان يا ما كان… كان في وطن اسمه لبنان»