Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر January 31, 2026
A A A
طبول الحرب على إيران تقرع… الصين وروسيا أمام تحدٍّ كبير!
الكاتب: د. عدنان منصور

 

كتب د. عدنان منصور في “البناء”

الرئيس الأميركي يحشد الأساطيل والمقاتلات والصواريخ، لشنّ الحرب على إيران وإسقاط نظامها بذرائع واهية، كان يلجأ إليها طغاة العالم، ومغامرو الحروب وقتلة الشعوب، ليبرّروا أفعالهم وجرائمهم!

لماذا يُصرّ ترامب على الحرب ضدّ إيران لإسقاط نظامها؟ هل بسبب برنامجها النووي وصواريخها الباليستية، و”زعزعتها” للاستقرار في المنطقة، و”كبت” الحريات في الداخل؟! أم أنّ حقيقة الأمر تكمن في أنّ الولايات المتحدة ترى في إيران ونظامها عائقاً لها في منطقة استراتيجية حساسة في العالم، تحول دون تحقيق أهدافها في بسط نفوذها الكامل عليها، والتفرّغ لتطويق روسيا من الجنوب (بحر قزوين)، والحدّ من تمدّد الصين الاقتصادي في المنطقة ومشروعها العظيم “الحزام والطريق”.

تتميّز إيران بموقع جيوسياسي فريد، إذ تقع عند تقاطع ثلاث مناطق استراتيجية كبرى: المشرق العربيّ، وآسيا الوسطى والقوقاز، وجنوب آسيا والمحيط الهندي، كما تربط بين الخليج وآسيا الوسطى، وتطلّ على بحر قزوين والخليج، مما يعطيها أهمية بالغة وقيمة كبيرة في معادلات الجغرافيا والأمن والطاقة .

إيران تُمسك بمضيق هرمز الذي يُعتبر شريان الطاقة العالميّ الذي يمرّ عبره بين 20 و 25% من النفط العالمي، وتمتلك الموقع الجغرافي، والقدرة العسكرية والتأثير على أمن الملاحة فيه، دون الحاجة إلى إغلاق كامل له، مما يعطيها الإمكانات لمواجهة نفوذ قوى الهيمنة الغربية.

في أيّ معادلة للنظام الإقليمي والدولي، يصعب تجاوز دولة كإيران، نظراً لأهميتها الكبيرة، ولكونها نقطة ارتكاز في الاستراتيجية الدولية، لا يفرّط بها أحد ولا يجازف بها طرف، فيها تتقاطع السياسة، والجغرافيا، والطاقة، والأمن، والهوية الحضارية الضاربة في عمق التاريخ.

إيران التي تمتلك ثاني احتياط غاز طبيعي في العالم، والمنتجة المهمة للنفط، يمكن لها أن تكون بديلاً استراتيجياً لتزويد أوروبا بالنفط في حال رفع العقوبات عنها، وهي لاعب محوريّ في صراع مسارات خطوط الأنابيب بين آسيا وأوروبا، لذلك إيران، بمكانتها وهويتها الحضارية لا تدار كدولة وظيفية وتابعة، إنما هي دولة سيادية مستقلة ذات مهمة تاريخية مستمرة، لها تأثيرها السياسي والأمني المباشر وغير المباشر في غربي آسيا، وقوتها الوازنة في مواجهة “إسرائيل”.

هذه العوامل تجعل إيران ركيزة مهمة داخل النظام الإقليمي والدولي الذي يتنافس اليوم على توجيهه وإدارته، ورسم مستقبله في مناطق حساسة واستراتيجية في العالم، كلّ من الولايات المتحدة والصين، وروسيا!

واشنطن في نهجها السياسي وتخطيطها الاستراتيجي، تدرك جيداً أنه لا يمكن ضبط الشرق الأوسط دون احتواء إيران أو تحييدها، لكونها تشكل جسراً يربط الصين وروسيا بالشرق الأوسط، لذلك تعمد على احتوائها بغية عزل الصين وروسيا عنه، لذلك تصنف إيران بالمفهوم الاستراتيجي، كـ “دولة مفصلية (Pivot State) وليست مجرد خصم عادي!

في مشروعها الكبير “الحزام والطريق”، تعتبر الصين إيران صلة وصل أساسيّة، لكونها ممراً بحرياً وبرياً يتجاوز المضائق والممرات الخاضعة للرقابة الأميركية، وشريكاً أمنياً في منظمة شانغهاي.

صحيح أنّ إيران ليست دولة وقوة عظمى، لكنها ليست دولة تابعة، أو عادية أو هامشية، بل شريكاً مؤثراً وفاعلاً وصلباً. إذا ما استبعدت إيران، اختلّ توازن الشرق الأوسط، وإذا أدمجت فيه تغيّر شكل النظام الإقليمي والدولي. لذلك، يستحيل تجاوزها أو استبعادها في أي معادلة للنظام الإقليمي والدولي، وبالتالي لا يمكن للصين وروسيا أن تقفا مكتوفتي الأيدي أمام أيّ حرب تشنّها أميركا على إيران، أو تتجاهلا تهديد واشنطن لإسقاط نظام إيران، وإدخالها في الفلك الأميركي.

هنري كيسنجر رأى في إيران الشاه، “الأكثر أهميّة للولايات المتحدة في الخليج، وأنّها تمثل الوزن الإقليمي القادر على ضبط الفوضى وحماية المصالح الأميركية، وأنه لا يمكن شطب إيران، لأنّ مواردها وموقعها وسكانها يجعلونها “مركز ثقل”، لا يمكن بناء نظام إقليمي مستقرّ دون أخذها بالحسبان”. كما نبّه إلى “أنّ الحرب على إيران ستكون كارثية، والمنطقة ستنفجر والفوضى ستتعاظم بدل حلّ المشكلة، وعلينا ضبطها عبر توازن ردع أو تفاوض لا عبر أوهام الإقصاء او حرب مدمرة”!

إنّ إسقاط النظام يعني زلزالاً كبيراً في الشرق الأوسط، سيغيّر المعادلات، ويشكل ضربة قاصمة للصين وروسيا، لأنّ أميركا بسياساتها الاستراتيجية، تريد التحكّم بمصادر الطاقة العالمية وخطوطها، بعد أن أمسكت منذ عقود بنفط الخليج وغازه، وبعد أن وضعت يدها اليوم على نفط فنزويلا صاحبة أكبر احتياط نفطي في العالم. لذلك، إذا ما تحكمت أميركا بنفط إيران، فهذا سيهزّ بالعمق صادرات روسيا من النفط، ويضعف اقتصادها، ويجعل واشنطن تسيطر على طاقة العالم!

من الصعب أن تقبل الصين وروسيا بنظام إيراني جديد يسقط في حضن أميركا، ويكون لها قاعدة متقدّمة، بغية عزلهما عن المنطقة. هنا يبدو حذر الصين وروسيا الشديد من التداعيات الخطيرة على مصالحهما الاقتصادية والأمنية والتجارية إذا أسقط النظام الإيراني! إنّ مصالح البلدين تحتم عليهما الوقوف بكلّ قوة وحزم إلى جانب إيران، ليس لمنع إسقاط نظامها فقط، وإنما لمنع إسقاط النظام الإقليمي والعالمي في يد الولايات المتحدة، وحتى لا تعود مجدداً دولة أحاديّة عظمى، تستفرد بكلّ قوة وعنجهية بالقرار الأمميّ وتدير العالم وفق أهوائها ومصالحها.

صحيح أنّ هناك تعاوناً سياسياً واقتصادياً وأمنياً بين روسيا والصين وإيران، يعبّر عن مصالح مشتركة استراتيجية للدول الثلاث لمواجهة النفوذ الأميركي ـ الغربي، لكن يبدو التعاون العسكريّ، يأخذ اليوم حيّزاً واسعاً في وسائل الإعلام الأجنبية والعربية، حول تزويد الصين وروسيا، لإيران بصواريخ باليستية دقيقة، أو فرط صوتيّة، ومقاتلات، ووجود جسر نقل أسلحة متطوّرة، رغم عدم وجود أدلة حسيّة، أو إقرار رسمي من جانب البلدين في هذا الشأن. كما لا توجد معلومات أكيدة تفيد بأنهما تزوّدان إيران بأجهزة عسكرية، وبشبكات تشفير عسكرية ومنظومات سيبرانية ورادارية متطورة.

إذا كان التعاون الاستراتيجي وثيقاً بين إيران والصين وروسيا على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني، إلا أنه لم يصل بعد إلى مستوى التحالف العسكري المباشر. المعلومات المسرّبة عن التعاون الدفاعي إنْ وجد، تبقى تفاصيله في إطارها السريّ بين الدول، ولا يُعلَن عنه على الملأ.

الصين وروسيا هما اليوم أمام تحدّ كبير يهدّد مصالحهما الاستراتيجية المتوسطة والبعيدة المدى، في حال شنّ ترامب حربه على إيران.

إنّ إحباط أيّ عدوان أميركي على إيران، يعني إسقاط المشروع الأميركي من أساسه، مما سيتيح للصين وروسيا وإيران في ما بعد، السير بخطى واثقة بعالم متعدّد الأقطاب، يحدّ من نفوذ الولايات المتحدة ويُضعف هيمنتها العالمية.

إيران تشكل نقطة الارتكاز الاستراتيجي، إنْ سقط نظامها في يد أميركا، سيتغيّر وجه النظام الإقليمي والدولي لصالحها، وبسقوط مشروع ترامب، سيتغيّر وجه الشرق الأوسط الذي لن يكون في صالح أميركا وحلفائها.

القيادة الإيرانية واثقة من أنّ الحرب إنْ حصلت، لن تسقط النظام الإيراني المتجذّر في الداخل، أياً كانت شراستها وتداعياتها على الأرض، وما صمودها على مدى 46 عاماً أمام أشرس عقوبات ظالمة، إلا الدليل على قدرة وقوفها في وجه الحصار، وإفشال محاولات واشنطن والغرب في كلّ مرة يحاولان فيها زعزعة النظام وإسقاطه!

لم تفلح عقوبات أميركا في منع إيران من تحقيق الإنجازات النوعيّة في مجالات البحوث والفضاء، والتقنيات الجوية والنووية والعلوم الحيوية، والخلايا الجذعية، وإنتاج النظائر المشعّة، وتصنيع الأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، وفيزياء المفاعلات، والهندسة النووية، والصواريخ والمحرّكات والمُسيّرات العلمية، والعسكرية. إيران من الدول الأولى عالمياً بأبحاث النانو تكنولوجي من حيث عدد الدراسات التطبيقية، وهندسة المياه والسدود، وأبحاث الطاقة المتجددة، واستخراج النفط والغاز، والزراعة الجافة. كما لديها نسبة عالية من متخرّجي العلوم والهندسة، والتكنولوجيا، والرياضيات، واستطاعت أن تربط العلم بسيادتها واستقلالها.

لهذه الأسباب التي تعزّز مكانة إيران في المنطقة والعالم، تريد واشنطن خنق النظام وإسقاطه!

الصين وروسيا على المحك، فهل سيقبلان بإسقاط النظام الإيراني بالحرب الأميركية عليه، أم أنهما ستُحبطان العدوان بالطرق والوسائل المناسبة بالتنسيق مع طهران؟

وحده الميدان الإيراني سيجيب، فلننتظر ونرَ…!

 

*وزير الخارجيّة والمغتربين الأسبق