Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 29, 2026
A A A
من معبر مدني إلى حاجز عسكري: فتح «رفح» لا يُنجِد الغزيين
الكاتب: يوسف فارس

كتب يوسف فارس في “الأخبار”:

ليس معبر رفح البري، بالنسبة إلى أهالي قطاع غزة، مجرّد نقطة عبور حدودية، بل هو المنفذ الوحيد للقطاع إلى العالم الخارجي، ما يجعله شريان حياة حيوياً لسكانه، ومن إغلاقه سبباً في تحويل غزة إلى «سجنٍ كبيرٍ يُحتجز فيه عشرات الآلاف من الجرحى والمرضى والطلاب»، الذين تتوقّف حيواتهم على إمكانيّة مغادرتهم أو عودتهم عبره. كما أن الأمر لا يقلّ أهمية بالنسبة إلى المغتربين من أبناء القطاع الراغبين في العودة، بعد شهور أو سنوات من الانقطاع القسري.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى معبر رفح باعتباره «أداة محتملة لتحقيق هدف التهجير الطوعي»، وذلك بناءً على فرضيّة مفادها أن أكثر من مليوني فلسطيني محاصرين في غزة سيتشبّثون بأي فرصة مُتاحة للخروج من «الجحيم». غير أن الوقائع أظهرت تمسّكاً مصرياً برفض فتح المعبر في اتجاه واحد، وهو اتجاه المغادرة، وفق ما كانت تطالب به إسرائيل طوال فترة الحرب. واليوم، تشير المعطيات إلى أن الاتفاق «يضمن التساوي العددي بين المغادرين والعائدين»، في حين تُظهِر المعلومات المتوفّرة رغبة معاكسة – لرغبة العدو – لدى الغزيين، إذ تُشير مصادر حكومية فلسطينية إلى أن «أكثر من 70 ألف مغترب فلسطيني سجّلوا بياناتهم رسمياً لدى السفارة الفلسطينية في القاهرة للعودة إلى القطاع»، ما أثار صدمة في الأوساط الإسرائيلية. وتصدّرت الأرقام المذكورة عناوين الصحف العبرية، وسط تعليقات اعتبرت أن «إسرائيل لم تنجح، حتى الآن، في تحقيق أي إنجاز فعلي على مسار التهجير»، رغم كل ما وظّفته من أدوات الإبادة.

وفيما تتجه الأنظار إلى المعبر الذي تقرّر فتحه في الاتجاهين ابتداءً من الأحد المقبل، تتكشّف تدريجياً تفاصيل آلية تشغيله. ووفقاً لموقع «واللا» العبري، فإن العمل فيه سيقتصر على «حركة المشاة فقط»، على أن يخضع الداخلون والمغادرون لـ«مسار موافقات مُعقّد يبدأ بالموافقة المصرية، وينتهي بموافقة إسرائيلية». وأفادت «إذاعة جيش الاحتلال» بأن «إسرائيل ستُخضِع المغادرين من غزة لرقابة تقنية صارمة عبر أنظمة التعرّف إلى الوجوه، لكن عن بعد، بهدف التأكّد من حصولهم على التصاريح اللازمة قبل السماح لهم بالعبور». ووفقاً للإذاعة ذاتها، تتضمّن الآلية سلسلة موافقات متتابعة، تبدأ بالحصول على موافقة مصرية، يليها تحويل قوائم الأسماء إلى جهاز «الشاباك» الإسرائيلي لإجراء الفحص الأمني. وبينما لن يخضع المغادرون لتفتيش مباشر من قِبل جيش الاحتلال، خلافاً لما أعلنه سابقاً رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، فإن الفحص سيتمّ عبر بعثة تابعة لـ«الاتحاد الأوروبي» بالتعاون مع طواقم محلية من موظفي السلطة الفلسطينية في غزة. وأشارت الإذاعة إلى أن «إسرائيل ستحتفظ بالرقابة عن بُعد من خلال غرفة عمليات أمنية تتحكّم بالممرّ المعروف بالكاروسيل».

من جهة أخرى، ستكون إجراءات الدخول إلى غزة أكثر تشدّداً، إذ سيُحال كلّ من يَعبر رفح إلى نقطة عسكرية لإجراء «فحص أمني شامل»، يشمل التفتيش عبر أجهزة تصوير وكشف معادن، بالإضافة إلى تدقيق فردي باستخدام تقنية التعرّف إلى الوجوه. ووفقاً لمعلومات حصلت عليها «الأخبار»، فإن «أولى دفعات العائدين ستكون من الجرحى الذين تلقّوا العلاج في مصر وعائلاتهم، ويُقدَّر عددهم بنحو 150 عائلة ستدخل ضمن رحلات جماعية جرى تنظيمها مُسبقاً عبر التنسيقية التي أعلنت عنها السفارة الفلسطينية في القاهرة لتسجيل الراغبين في العودة». وبناءً على ما تقدّم، لا يبدو أن فتح المعبر، وفقاً لهذه الآلية، سيُحدِث «تحوّلاً جذرياً» في حياة الغزيين، بل يبدو أقرب إلى «خطوة رمزية» هدفها تسكيت الضغوط الأميركية، والإيحاء بانفراجات. أمّا الواقع التشغيلي للمعبر، فمن شأنه أن يُفرِغه من وظيفته الطبيعية كمعبر مدني، ويحوّله إلى «حاجز عسكري» تتحكّم إسرائيل بكل تفاصيله، وهو ما سيجعل من تجربة السفر عبره، ذهاباً أو إياباً، مجرّد «مغامرة محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة النتائج».