Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر January 28, 2026
A A A
بري يثبّت «البوصلة»: لا مفاوضات مباشرة.. ولا مساومة على الثوابت
الكاتب: حسين زلغوط - اللواء

في لحظة محلية، وإقليمية، ودولية بالغة الدقّة والخطورة، حيث تختلط الضغوط السياسية بالحسابات الأمنية، ويكثر فيها التهويل الإعلامي والتسريبات الموجّهة، يخرج الموقف اللبناني الرسمي ليعيد تثبيت البوصلة ويضع حدّاً لكل ما أُشيع في الأيام الأخيرة عن «ليونة» أو «رخاوة» في الموقف الرسمي، أو عن استعداد لبنان للدخول في مفاوضات ثلاثية سياسية مباشرة مع إسرائيل. فالموقف، كما يؤكده رئيس مجلس النواب نبيه بري، ليس ملتبساً ولا قابلاً للتأويل وهو يقوم على ثابتة أن لبنان يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، أياً كان شكله أو عنوانه، ويتمسّك بثوابته الوطنية التي لم تكن يوماً موضع مساومة.

 

الجدل الذي أُثير مؤخراً لم يكن بريئاً في توقيته ولا في مضمونه. إذ بدا واضحاً أن ثمة محاولات لتهيئة الرأي العام، داخلياً وخارجياً، لفكرة أن لبنان بات مضطراً، تحت ضغط التطورات العسكرية والاقتصادية، إلى تعديل قواعد اشتباكه السياسي والدبلوماسي، أو القبول بمسارات تفاوضية جديدة تتجاوز الإطار التقني – الأمني القائم. غير أن الرد جاء حاسماً من قبل «عين التينة» الصاحية لكل «شاردة وواردة» ، حيث وضع الرئيس بري بأسطر قليلة حدّاً لكل محاولات الاستثمار في الالتباس أو تسويق سيناريوهات لا تمتّ إلى الواقع اللبناني بصلة.

 

الرئيس نبيه بري كان الأكثر وضوحاً وحسماً في هذا السياق، حين شدّد على أن «موقفنا معروف بأننا ملتزمون، بل متمسّكون باتفاق وقف الأعمال العدائية، كما أننا متمسّكون بلجنة «الميكانيزم» بشكلها ومضمونها».

هذا الموقف لا يكتفي بنفي ما يُشاع، بل يعيد تأكيد الإطار الوحيد الذي يتعامل من خلاله لبنان مع ملف الحدود والاعتداءات الإسرائيلية، وهو إطار غير مباشر، تقني، ومحدد بسقف واضح لا يسمح بالانزلاق نحو تطبيع سياسي أو مفاوضات مباشرة.

في جوهر هذا الموقف، تكمن قراءة لبنانية عميقة لطبيعة الصراع مع إسرائيل، فالتجربة الطويلة أثبتت، أن أي مفاوضات مباشرة، سواء وُصفت بالأمنية أو السياسية، سرعان ما تتحوّل إلى منصة لفرض وقائع جديدة، أو لانتزاع تنازلات تدريجية تحت عناوين برّاقة. من هنا، فإن التمسّك باتفاق وقف الأعمال العدائية ليس مجرد التزام تقني، بل هو خيار سياسي يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار من دون فتح الأبواب أمام مسارات خطرة.

 

أما لجنة «الميكانيزم»، التي يصرّ الرئيس نبيه بري على التمسّك بها «شكلاً ومضموناً»، فهي تمثل، بالنسبة للبنان، الضمانة القائمة حالياً لمنع الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة، وفي الوقت نفسه تشكّل سدّاً أمام أي محاولة لفرض تفاوض مباشر. فاللجنة، كما هو قائم، تؤدي وظيفة محددة: معالجة الخروقات، وتثبيت قواعد الاشتباك، من دون أن تتحوّل إلى طاولة تفاوض سياسي أو أمني مباشر مع العدو.

واللافت في موقف رئيس مجلس النواب أنه لا يكتفي بالرفض، بل يضع هذا الرفض في سياقه الوطني الأشمل. فلبنان، الذي يواجه أزمات خانقة وضغوطاً سياسية وعسكرية متزايدة، يدرك أن أي تراجعا عن ثوابته لن يؤدي إلى إنقاذه، بل على العكس، قد يفتح الباب أمام مزيد من الابتزاز. من هنا، فإن الرسالة الموجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء هي أن الأزمات، مهما بلغت حدّتها، لا تشكّل مدخلاً للتفريط بالثوابت أو القبول بتسويات على حساب السيادة.

 

في المقابل، لا يغفل الموقف اللبناني حقيقة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وارتفاع وتيرتها، وما تفرضه من تحديات يومية على الجنوب اللبناني وعلى الاستقرار العام، غير أن الردّ على هذه التحديات، كما يرى الرئيس بري، لا يكون بتغيير قواعد اللعبة السياسية، بل بتعزيز الموقف الوطني الموحّد، والتمسّك بالأطر القائمة التي تمنع إسرائيل من فرض شروطها أو توسيع دائرة الصراع سياسياً.

هذا الموقف أيضاً بعكس خشية لبنانية واضحة من محاولات خلط المسارات، فالتفاوض غير المباشر حول مسائل تقنية أو ميدانية شيء، وفتح قنوات تفاوض سياسي مباشر شيء آخر تماماً. وبين الأمرين، خط أحمر لا يبدو أن لبنان مستعدّ لتجاوزه، مهما تعددت الضغوط أو تبدّلت الظروف الإقليمية.

 

انطلاقا مما تقدّم يمكن القول الموقف الذي عبّر عنه الرئيس نبيه بري يعيد تثبيت معادلة أساسية: لا مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لا أمنية ولا سياسية، ولا قبول بأي طروحات تلتف على هذا المبدأ تحت أي عنوان، وهذا الموقف يهدف إلى قطع الطريق على الشائعات، وإلى تحصين الداخل اللبناني في مرحلة حسّاسة، وإلى توجيه رسالة واضحة بأن لبنان، رغم كل ما يمرّ به، ما زال يعرف أين يقف، وأي خطوط لايمكن تجاوزها.