Beirut weather 12.41 ° C
تاريخ النشر January 28, 2026
A A A
باكس سيلكا: واشنطن تذهب إلى حلف على مقاس يدها
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– لم تكد تمر أيام على صدور استراتيجية الأمن القومي الأميركي في 5 كانون الأول من العام الماضي حتى أعلنت واشنطن عن حلف جديد، يتناسب مع رؤية الاستراتيجية الجديدة، ليس فقط من زاوية الأهداف التي تتركز على البعدين التقني والأمني، بل أيضاً على مستوى التعبير عن فقدان الأمل من جذب القوى العالمية الكبرى، والانسجام مع التراجع عن مشروع إدارة العالم نحو القارة الأميركية، بالبحث عن شراكات مفيدة لا تنتمي إلى زمن الحروب الكبرى والأحلاف التي تنسجم معها، بقدر ما تلبي الحاجة مشروع أميركا العظيمة بعد التثبت من انتهاء زمن أميركا العظمى.

– في 12 كانون الأوّل 2025، أُعلنت واشنطن عن قيام إطار تحالف جديد تحت مسمّى باكس سيلكا دون أن لم يكن الإعلان صاخبًا، ولا جاء في صيغة معاهدة أو حلف عسكري، بل كشبكة تنسيق سيادي تتحكّم بمفاصل التكنولوجيا الحرجة: الشرائح المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، الخوارزميات، مراكز البيانات، وسلاسل الإمداد الرقمية. عمليًا، كان الإعلان إقرارًا بأن أدوات الهيمنة القديمة وفي مقدّمها الناتو، لم تعُد صالحة لتنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأميركي، وأن التكنولوجيا باتت الأداة البديلة. واللافت أن هذا الإعلان عن حلف يضم “إسرائيل” جاء في ذروة العزلة السياسية والأخلاقية التي واجهتها “إسرائيل” بسبب حرب غزة. هنا بالذات تتضح وظيفة هذا الحلف بدلاً من عزل “إسرائيل” سياسيًا، إعادة تعويمها وظيفيًا داخل نظام عالميّ يُكافئ القيمة التقنية ويتجاهل الكلفة الأخلاقية.

– تقود أميركا التحالف الجديد بوصفها الدولة الوحيدة القادرة على تحويل التكنولوجيا إلى قرار سياسيّ نافذ عبر التصميم البرمجي، الحوسبة السحابية، والتشريع الذي يفرض أو يرفع القيود. وإلى جانبها، ضُمّت اليابان لأنها تتحكم بالمواد فائقة النقاء والمكوّنات الدقيقة التي لا يمكن تصنيع الشرائح من دونها، وتأتي هولندا لأنها تمسك بمفتاح معدات الطباعة الضوئية، أي تمسك بزرّ إيقاف مصانع العالم. كما أُدرجت كوريا الجنوبية بصفتها ذراع التصنيع التجاري المتقدم، وبريطانيا لدورها في الحوكمة القانونية والاستخبارية للذكاء الاصطناعي، أما إقليميًا فقد جرى ضمّ قطر والإمارات بوظيفة تشغيلية حيث تتوافر الطاقة بكميات كبيرة وأكلاف قليلة، وحيث مراكز البيانات، عقد الاتصالات، وسرعة الامتثال. لأن السليكون بلا طاقة وبلا سحابة لا يعمل، والتحالف لا يحتاج إلى شعارات سياسية بقدر ما يحتاج إلى بنى جاهزة.

– الأهم هنا ليس مَن هم الذين جرى ضُمّهم إلى التحالف، بل من جرى استُبعادهم. فقد شكّل ضم “إسرائيل” بدور مركزي في التحالف وضع شرط التطبيع مع “إسرائيل” بصيغته المباشرة أو غير المعلنة ممراً إلزامياً حاسمًا للعضوية. لذلك غابت دول أوروبية وازنة مثل ألمانيا وفرنسا لم تكن يوماً ضد “إسرائيل”، لكنها غير جاهزة لتحمل تبعات الانخراط في تحالف تلعب فيه “إسرائيل” دوراً مركزياً، وربما يصعب عليها الدفاع عن حلف مع أميركا نفسها، ولذلك فإن كثيراً من الدول ذات الثقل الصناعي، بقيت خارج الإطار بسبب تردّدها السياسي، وانقسامها الداخلي، أو رفضها تحويل التكنولوجيا إلى أداة ضبط تخدم “إسرائيل” من دون مساءلة. إقليميًا، فاستُبعدت دول مركزية لأنها إما رفضت التطبيع، أو اشترطت كلفة سياسية لا يريد التحالف تحمّلها، أو لأن لا جدوى من عناء السعي لإقناعها بالانضمام الى هذا التحالف، بينما تندفع تحت ضغط شعوبها في مسارات تفترق عن المسار الذي تسلكه واشنطن بشكل جذري آخذ في الاتساع تدريجياً.

– تظهر إسرائيل كـ«عضو غير مُعلن» أو «شريك وظيفي»: ليست قائدًا ولا صانع شرائح، لكنها مزوّد لا غنى عنه في الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي التطبيقي، والمراقبة وتحليل البيانات. هكذا يُعاد إدماجها في شبكات غير مرئية وعقود برمجيات، تعاون خوارزمي، شراكات بيانات لا تمرّ عبر البرلمانات ولا تتأثر بحملات المقاطعة. وهكذا يبدو هذا التحالف الجديد، يعمل كآلية فصل بين السياسة والتكنولوجيا. هو لا يرفع العزلة الأخلاقية عن “إسرائيل”، بل يتجاوزها، محوّلًا الحاجة التقنية إلى حصانة وظيفية. في عالم تُدار فيه القوة عبر السيليكون، لا تُقاس الشرعية بعدد الإدانات، بل بعدد المفاتيح التي لا يمكن الاستغناء عنها، داعياً إلى وضع معيار لا يقيم اعتباراً للمعايير الأخلاقية التي يراها الأميركي عنصر تعطيل للاقتصاد والتكنولوجيا، ويأتي من باب التكنولوجيا بصفته المقدس الجديد البديل، وينصب “إسرائيل” في قلب هذا النموذج القيميّ الجديد، حيث تحل التكنولوجيا والمال مكان القيم الأخلاقية والمعايير القانونية، ليقول إن “إسرائيل” تملك المؤهلات في الأمرين، المال والتكنولوجيا، فليس مهماً كيف يتمّ تصنيفها الأخلاقيّ، للبتّ في شأن اعتمادها ركناً بارزاً في هذا التحالف الجديد، باعتباره التحالف الشريك ما وراء القارة الأميركية التي تُدار باستراتيجيات الحروب والنفط والمعادن، بينما هنا يتحدّث السيليكون.