Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر January 27, 2026
A A A
موقف حزب الله من الحرب على إيران
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

ينطلق حزب الله علناً من خلفية عقائدية يمثل فيها المرشد الأعلى في إيران ولي الفقيه كمرجع لكل المسلمين، ومنهم حزب الله، وهذا الترابط المصيري يعني التزام حزب الله بالاستعداد للدفاع والتضحية لمنع إلحاق الأذى بالولي الفقيه، وحزب الله الملتزم عقائدياً مع إيران وقائدها يعرف ويسمع ويرى المعادلات التي تقول إنه إذا انتصر الأميركي والإسرائيلي في الحرب على إيران فإنه وسائر قوى المقاومة مجرد حلقات تالية في الاستهداف، وليس هناك من الفاعلين الذين يُقام الحساب لهم. من جاء للحزب أو لغيره ليقول إذا وقعت الحرب على ايران فأنتم إن لم تتدخلوا فأنتم بمنأى عن التداعيات، ويصير خيار توسيع دائرة الحرب على صاحبها أحد أشكال الحماية الجماعيّة المتبادلة بين إيران وقوى المقاومة، وهو ما أعلنه العراقيون واليمنيون واللبنانيون.

بالمقابل يعرف حزب الله أن حجم ما يستطيعه للتأثير في مجرى الحرب يبدو شكلياً بحجم مقدرات إيران كما ظهرت في حرب حزيران الماضي مقارنة بما استطاع حزب الله فعله خلال حرب الإسناد، وخصوصاً عندما أراد استخدام طاقته الصاروخية في حرب الستين يوماً، ومثله يعرف العراقيون واليمنيون، حدود تأثيرهم مقارنة بما تستطيعه إيران، وهم على مستوى قراءة الموازين، واثقون من أن الحرب إن وقعت سوف تكون بخلاف توقعات أميركا و”إسرائيل”، وهذا سر التردّد في خوضها، وأن إيران هذه المرة سوف تبدأ من حيث انتهت في حرب حزيران، وقد باتت أقوى عسكرياً على المستوى التسليحي بإمداد صيني روسي، وأكثر كفاءة تقنياً بشهادة تعطيل أجهزة ستارلينك التي لم تستطع روسيا احتواءها في أوكرانيا، وقد حسمت أمرها بخوض معركة فاصلة مجرد انطلاق الحرب، سواء بإغلاق مضيق هرمز واستهداف القواعد والأساطيل الأميركية أو حجم الأذى الذي سوف تلحقه بـ”إسرائيل”، ولذلك لا يبدو الموقف من الالتزام بالحرب إلى جانب إيران تعبيراً عقائدياً صرفاً أو قراءة لضرورات الحرب حصراً، بل هو أقرب للرسالة السياسية للرأي العام العالمي والإقليمي، والمحلي في كل بلد، أو في لبنان على الأقل.

سبق لحزب الله في حالات مماثلة أن استخدام تعابير مثل، إن إشعال الحرب ضد إيران سوف يشعل المنطقة، ولا أحد يستطيع التنبؤ كيف تتدحرج الحرب نحو ساحات أخرى، وإيران قادرة بما يكفي لتدافع عن نفسها ولن تقبل من أحد أن يدافع عنها، لكنه اختار لغة أخرى عنوانها، نحن وإيران واحد والحرب عليها حرب علينا ولن نكون على الحياد، وعند وقوع الحرب نقرر كيف نترجم هذه المعادلات، لسبب سياسي يتصل بأميركا وبعض الغرب وبعض العرب و”إسرائيل”، الذين سوف يقرأون الخطاب المسمّى بالعاقل، بعد الضربات التي تلقاها حزب الله، وفي ظل مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية دون قيامه بالرد عليها، باعتباره نجاحاً لهم في ردع الحزب، وهو يبدو اليوم يريد توجيه رسالة تتصل بملفات كثيرة غير الحرب على إيران تقول إنه ليس مردوعاً وإن عليهم توقع المفاجآت منه، في حال الحرب على إيران وفي سواها.

في الداخل اللبناني خاض حزب الله تجربة جديدة خلال عام، يقول خصومه إنها كانت خياراً إلزامياً لمن هُزم في الحرب، بينما هو يعتقد أنها كانت اختباراً لفرصة مخاطبة الداخل بخطاب لبناني يضع المقاومة تحت سقف الدولة لتحرير الأرض والدفاع عن لبنان، وبعدما سمع الحزب أهل السلطة يعتبرون ما قدّمه للدولة في جنوب الليطاني التحصين موقفها في السعي لتحرير ووقف الاعتداءات، انتصاراً حققته الدولة على الميليشيات سوف يستمرّ شمال الليطاني مهما كانت التداعيات، بمعزل عما يجري مع الاحتلال، الذي لا حلّ معه إلا بالتفاوض، بينما لا مانع من استخدام القوة مع المقاومة وفق بعض أطراف الداخل والسلطة، وهكذا سقط ما أراده الحزب مثالاً على تعاون الدولة والمقاومة لمواجهة الاحتلال بتمكين الدولة دبلوماسياً من إمساك جنوب الليطاني للوقوف عند معادلة لا تنتهي المرحلة الأولى قبل انسحاب الاحتلال ووقف الاعتداءات، وخطاب “اللبننة” بعد حرب الإسناد التي لا إجماع لبنانياً عليها، لم يقابل الحزب بحضن لبناني، ولا بوطنية لبنانية، قوبل بـ الأمركة رداً على اللبننة، وقوبل بالاستعداد لتقديم تنازل عن السيادة لحساب “إسرائيل” تحت شعار المتغيرات وموازين القوى، وقوبل بالشماتة والاستهتار بدماء شهدائه يسقطون كل يوم، ولا يرفّ جفن لمسؤول ليقوم بنعي الشهداء والتعزية بهم والتفكير بمعادلات الحماية من موقع المسؤولية الوطنية، واكتشف أن اللبننة التي كان يُدعى إليها بنظر أصحابها ليست وطنية الأرض والقرار والسيادة، بل لبننة الصفقة والخضوع، فقرّر أن يعود أدراجه من حيث أتى، وعلى الأرجح هذا ليس إلا أول الغيث، في خطاب جديد ربما يجد تتمته بقرار الرد على الاعتداءات، وعنوان الخطاب الجديد، لكم لبنانكم ولي لبناني، و”الزعلان في مية حيط يدق راسو”، و”أعلى ما في خيلكم اركبوه”، و”لأننا لا نريد حرباً داخلية سنذهب بعيون مفتوحة نحو الحرب الأصلية” فـ “أولئك هم أعداؤنا والداخل ليس إلا مجرد صدى”.