Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر January 27, 2026
A A A
إجتماع السراي حول أزمة الأبنية المتصدعة في طرابلس.. إبرة مورفين ولا حلول جذرية!!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

إنتظر أبناء طرابلس يوم أمس خروج “الدخان الأبيض” من السراي الحكومي للإعلان عن حل جذري لأزمة الأبنية المتصدعة في المناطق الشعبية، لا سيما بعد إنهيار ثلاثة أبنية منذ مطلع العام في ضهر المغر والسراي العتيقة، والقبة التي ما تزال تشهد ورشة عمل إنقاذية لسحب “ملاك الرحمة” الشابة أليسار المير التي ما تزال تحت الأنقاض بعد وفاة والدها ونجاة والدتها وشقيقيها.

هذا الدخان بقيَ أسير جدران السراي بينما غطى دخان وغبار المبنى المنهار سماء المدينة التي بدا من خلال الإجتماع أنها ما تزال في آخر سلم الأولويات، بالرغم من الشعارات الكبيرة والوعود الكثيرة التي أطلقها الرئيس نواف سلام وقبله بعض نواب طرابلس والتي ما تزال في علم الغيب وتحتاج إلى سنوات طويلة لتنفيذها، فيما شبح الموت يخيم فوق ١٠٥ أبنية مسجلين خطر يحتاجون إلى تدابير فورية للتدعيم ودفع بدلات الإيواء لقاطنيها للذهاب إلى أماكن مؤقتة.

استبق رئيس الحكومة نواف سلام إجتماع السراي وزار طرابلس صباحا للإطلاع على وضع المبنى المنهار وتفقد المصابين، لكنه لم يحمل معه أي حل جذري، باستثناء رفعه شعار “طرابلس ليست وحدها”.

هذا الشعار بدا فارغا وممنوعا من الصرف في إجتماع السراي الذي حضره سبعة نواب من أصل ثمانية بغياب النائب فيصل كرامي، ورئيس بلدية طرابلس الدكتور عبد الحميد كريمة ورئيس بلدية الميناء عبد الله كبارة وأمين عام الهيئة العليا للإغاثة بسام نابلسي ونقيب المهندسين شوقي فتفت وعدد من المعنيين.

الإجتماع وضع ملف الأبنية المتصدعة على الطاولة للبحث في الحلول الممكنة، علما أن الرئيس سلام كان سبق وأعلن إحالة هذا الملف إلى الهيئة العليا للاغاثة منذ نيسان الماضي أي منذ تسعة أشهر، من دون أن يصار إلى تحريك أي ساكن تجاه المدينة التي شهدت منذ ذلك الوقت إنهيار عدة أبنية كانت آيلة للسقوط يفترض أنها مدرجة ضمن هذا الملف المنسي.

وبغض النظر عن المزايدات والمواقف الشعبوية من سلام، وبعض النواب الذين لا يريدون فصل سلامة المدينة وأهلها عن الزمن الإنتخابي، يمكن القول أن الإجتماع لم يكن على مستوى الكارثة وأنه لم يخرج بآلية واضحة وواقعية لتنفيذها على الأرض بشكل فوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

وبدا واضحا أن العشرة ملايين دولار التي وضعها النواب المشاركون مع رئيس البلدية كمطلب أساسي ضمن الإجتماع للبدء بأعمال الترميم الضرورية غير موجودة وغير مدرجة في الموازنة التي ستناقش إعتباراً من اليوم في مجلس النواب ولغاية الخميس، وقد رفض الرئيس سلام إدراجها أو إقتطاعها من موازنة بعض الوزارات، واعدا بتأمينها من دون أن يحدد الجهة التي ستموّل، علما أن الملايين العشرة قد لا تكفي لعدد ضئيل من الأبنية الآيلة للسقوط، وكارثة طرابلس تحتاج إلى خطة حكومية وطنية متكاملة تبدأ بدفع بدلات الإيواء لإنقاذ الأهالي من منازلهم التي قد تتحول إلى مقابر جماعية في أي لحظة.

أما رمي كرة الأزمة – الكارثة إلى إقتراح المنازل المؤقتة أو بناء سبعمئة وحدة سكنية فكان أشبه بـ”إبرة المورفين”، خصوصا أن كل الأبنية المتصدعة سواء الخطرة أو المتوسطة الخطورة قد تنهار ويُقتل قاطنوها قبل أن يبصر هذا المشروع النور، وقد أثار هذا الأمر حفيظة النائب كريم كبارة الذي إعتبر في تصريح بعد الاجتماع أن “المطروح من الحكومة هو دون المطلوب ولا ينهي الخطر الذي يهدد آلاف العائلات في طرابلس”، وكذلك النائب إيهاب مطر الذي حصل نقاش حاد بينه وبين سلام، مطالبا إياه “بحلول فورية وبالإعلان عن كيفية تأمين العشرة ملايين دولار ومتى ستدفع وسبل صرفها”، كما سأل عن “حقوق طرابلس من تمويل مرافقها معرض ومنطقة إقتصادية وغيرهما وفي التعيينات لكنه لم يجد سوى أجوبة عمومية من رئيس الحكومة.

ومما زاد الطين بلة، أن المجتمعين في السراي الحكومي من سلام إلى النواب لم يكن لديهم أية قواسم مشتركة حول آليات الحلول، بل تحدث كل منهم بإتجاه و”غنى كل منهم على ليلاه”، لينتهي الإجتماع بوعود لا أحد يعلم كيف ومتى ستنفذ، وإذا نفذت بعد حين فإنها تدخل في مجال “الترقيع”، في حين أن طرابلس تحتاج إلى تضافر جهود الحكومة بوزاراتها المعنية لوضع حد للموت المجاني تحت الأنقاض، وهي بالتالي لا تحتاج إلى زيارات ولا إلى إجتماعات ولا إلى صور وتصريحات في الهواء، بل تحتاج إلى أفعال حقيقية بعيدا عن الشعبوية والتفتيش عن السراب!.