Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر January 26, 2026
A A A
استراتيجية البنتاغون: محاولة إدارة تراجع الهيمنة الأحادية تجنّباً للانهيار المفاجئ
الكاتب: حسن حردان - البناء

هل تشكل استراتيجية البنتاغون استكمالاً لاستراتيجية الأمن القومي الأميركية، وما هي انعكاساتها على الدور الأميركي العالمي وعلى حلفاء أميركا، وهل هي تأكيد جديد على تراجع الهيمنة الأميركية لعدم القدرة على الاستمرار في تحمّل أعبائها؟
من يقرأ استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 (البنتاغون) يلاحظ أنها الترجمة العسكرية المباشرة لـ “استراتيجية الأمن القومي” (NSS) التي وضعها البيت الأبيض. وفي السياق الأميركي الحالي، لا تكتفي استراتيجية البنتاغون بتكملة استراتيجية الأمن القومي، بل تعيد صياغة مفهوم “القوة الأميركية” من الهيمنة العالمية الشاملة إلى “القوة الانتقائية” المرتكزة على المصالح القومية المباشرة.
أولاً، على مستوى التكامل بين الاستراتيجيتين…
تعمل الاستراتيجيتان ككتلة واحدة تحت شعار “أميركا أولاً”، حيث ترسم استراتيجية الأمن القومي الأهداف السياسية والاقتصادية، بينما يحدّد البنتاغون الوسائل العسكرية لتحقيقها:
1 ـ تطابق الأولويات: تركز الاستراتيجيتان على “الدفاع عن الوطن” كأولوية قصوى، مع تحوّل جذري نحو حماية الحدود ومكافحة التهديدات غير التقليدية (مثل كارتيلات المخدرات).
2 ـ الهيمنة الإقليمية: أعادت الاستراتيجية إحياء “عقيدة مونرو” (ملحق ترامب)، مؤكدة على فرض الهيمنة الكاملة في نصف الكرة الغربي (الأميركتين) كقاعدة انطلاق للأمن القومي.
3 ـ من الأيديولوجيا إلى البراغماتية: تخلت الاستراتيجية عن نشر الديمقراطية كهدف أمني، واستبدلته بـ “الواقعية القاسية” التي تربط التحالفات بالمكاسب الاقتصادية والأمنية المباشرة.
ثانياً: على مستوى الانعكاسات
أحدثت الاستراتيجية الجديدة تحوّلاً جوهرياً في علاقة واشنطن بالعالم، يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1 ـ تقاسم الأعباء: لم يعد الدعم الأميركي للحلفاء (مثل الناتو أو كوريا الجنوبية) “شيكاً على بياض”. تطالب الاستراتيجية الحلفاء بتحمّل المسؤولية الأساسية عن أمنهم، مع بقاء الدور الأميركي “محدوداً وحيوياً” في مجالات التكنولوجيا والردع النووي فقط.
2 ـ التعامل بالصفقات: كما الرئيس دونالد ترامب، ينظر البنتاغون الآن إلى التحالفات كشراكات تجارية؛ فالدفاع عن أيّ حليف مرهون بمدى مساهمته المالية واللوجستية.
3 ـ الانسحاب التكتيكي: هناك توجه لتقليص الوجود العسكري في مناطق “النزاعات الأبدية” (الشرق الأوسط وأفريقيا) لصالح التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين.
ثالثاً: اعتراف بتراجع الهيمنة الأحادية وإدارة تراجعها،
يرى المحللون أنّ هذه الاستراتيجية هي اعتراف ضمني بـ “انتهاء عصر القطب الواحد المطلق”، ولكنها محاولة لإدارة هذا التراجع بذكاء بدلاً من الانهيار المفاجئ:
1 ـ عدم القدرة على التحمّل: الاستراتيجية تقرّ بأنّ الولايات المتحدة لم تعد ترغب (أو تقدر) في تحمّل تكاليف استقرار النظام العالمي بمفردها، وهو ما يسمّى في العلوم السياسية بـ “تراجع القدرة الاستيعابية للهيمنة”.
2 ـ الانكماش الاستراتيجي: بدلاً من الانتشار في كلّ مكان، اختار البنتاغون “التحصّن” في القارة الأميركية والتفوّق التكنولوجي (الذكاء الاصطناعي، الأسلحة فرط الصوتية) لضمان الردع دون الحاجة لتواجد عسكري مكلف على الأرض.
3 ـ الانتقال لتعددية الأقطاب: تعكس الاستراتيجية قبولاً أميركياً بواقع دولي جديد، حيث تكتفي واشنطن بكونها “اللاعب الأقوى” في نظام متعدد الأقطاب، بدلاً من كونها “شرطي العالم”… وهو ما كان يدعو اليه مستشار الأمن القومي السابق زبيغينو بريجينسكي، (راجع كتابه رقعة شطرنج. الذي دعا فيه الى انتهاج سياسة قيادة العالم بدلاً من سياسة الهيمنة التي تستفزّ الدول الكبرى ولا تراعي مصالحها وتدفعها الى إقامة التحالفات للدفاع عن مصالحها)، لكن الأخذ بنصيحة بريجينسكي جاء بعد أكثر من عقدين جرّبت فيهما أميركا إخضاع العالم لهيمنتها الأحادية، فكانت النتيحة تكتلات دولية ضدّها (بريكس، شنغهاي) قادتها روسيا والصين، وتفاقم الدين العام الأميركي نتيجة الإنفاق على الحروب الفاشلة في أفغانستان والعراق، واستمرار الإنفاق العام بما يتجاوز بكثير مدخول أميركا، حتى بلغ الدين اليوم عتبة 38.5 تريليون دولار، وخدمته السنوية تريليون دولار…