Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر January 26, 2026
A A A
هل اقتربنا من إعلان سقوط اتفاق وقف النار؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– بالرغم من انتهاكاتها اليومية المتمادية لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 27-11-2024 بقيت قيادة قوات الاحتلال تضع اعتداءاتها على لبنان ضمن سياق تطبيقها للاتفاق رداً على ما تسميه انتهاكات الاتفاق من جانب المقاومة بإعادة التسلح التي يمنعها الاتفاق عنها، كما تقول بيانات الاحتلال، وكانت لجنة مراقبة وقف إطلاق النار المسماة بالميكانيزم تقوم بتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية وإصدار بيانات بعدد هذه الانتهاكات تدعو إلى وقفها وتطالب “إسرائيل” بتنفيذ التزاماتها التي نص عليها الاتفاق، حتى اختفت هذه البيانات فجأة، وتحوّلت اجتماعات اللجنة الخرساء إلى مضبطة اتهام دورية لمساءلة الجيش عما أنجزه على طريق نزع سلاح المقاومة جنوب الليطاني، دون تسجيل الاعتداءات الإسرائيلية التي يوثقها لبنان ويشكو إلى اللجنة عدم توقفها والاكتفاء بالاستماع إلى الردّ الإسرائيلي على الشكوى اللبنانية.

– منذ إقرار الحكومة اللبنانية لورقة المبعوث الأميركي توماس برّاك، بدأ الحديث الأميركي الإسرائيلي عن الحاجة إلى اتفاق جديد، يلبي الحاجات الأمنية الإسرائيلية، سواء لجهة الدعوة إلى منطقة أمنية عازلة تحت إشراف الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، يمكن تعويض نقص السيادة عليها باعتبارها منطقة اقتصادية استثمارية تتولاها شركات أميركية، أو لجهة فتح الأجواء اللبنانية أمام سلاح الجو الإسرائيلي، أو منح قوات الاحتلال صلاحية تنظيم دوريات داخل الأراضي اللبنانية خارج المنطقة العازلة بعمق معين، وفتح الطريق نحو محادثات اقتصادية خصوصاً في مجال استثمار النفط والغاز وتسويق المستخرجات بصورة مشتركة، محورها الشراكة الإسرائيلية القبرصية اليونانية بأنبوب يحمل اسم وزير الخارجية الأميركية السابق مايك بومبيو.

– بالرغم من الخلاف بين رئيس الحكومة والمقاومة من جهة والتباعد في الخطاب بين المقاومة ورئاسة الجمهورية من جهة مقابلة، بقي الخطاب اللبناني الرسمي يتحدث عن تنفيذ لبنان (جيش ومقاومة) موجباته في اتفاق وقف إطلاق النار وتحميل “إسرائيل” مسؤولية عدم التقدم في تنفيذ الاتفاق جنوباً، ليتسنى للجيش اللبناني البدء بمراحل إضافية في حصر السلاح، لكن هذا الموقف الرسمي بدأ يُستبدل بخطاب جديد، يركز على فصل حصر السلاح عن مسار تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، وتقديم ما جرى جنوب الليطاني كإنجاز للدولة على حساب سلاح الميليشيات، وليس كثمرة تعاون إيجابي بين الدولة والمقاومة ضمن إطار السعي لاستعادة الأرض ووقف الاعتداءات، وتبني خطاب يغيب عنه الحديث عن تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار، ويحلّ مكانه الحديث عن التفاوض كخيار استراتيجي، لأن التمسك بالاتفاق يلغي مبرر التفاوض قبل إنجاز تطبيقه والتفاوض قبل تنفيذ الاتفاق يعني اعتباره بمثابة الملغى والبحث عن بديل عنه.

– عند توقيع الاتفاق كانت المقاومة والحكومة متفقتين على منهجية تتولى خلالها المقاومة الانسحاب من جنوب الليطاني وعدم الرد على الاعتداءات الإسرائيلية، مقابل تولي الحكومة ملاحقة الاعتداءات الإسرائيلية والضغط لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وبالتوازي ضخ الأموال الممكنة للبدء بعملية إعادة الإعمار وملاحقة قضية الأسرى. المنهج الجديد للحكومة يقول بالحد الأدنى إنه لا يمكن الضغط على “إسرائيل” لوقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب، ولا مطالبة الغرب والعرب بدعم لبنان لبدء الإعمار، إلا عندما تنتهي عملية نزع سلاح المقاومة أو تسليمه المسماة بحصر السلاح، ويترافق ذلك مع تصريح علني من الدولة بالانفتاح التفاوضي، والانفتاح التفاوضي لا يكون إلا على اتفاق جديد، بما يعني اعتبار الاتفاق القائم ميتاً ينتظر مراسم الدفن، وربما ينتظر ذلك إعلان الانتهاء من مهمة حصر السلاح منعاً للإحراج، لكن السلطة تتصرف دون إحراج على قاعدة أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يعد موجوداً، وهي أصلاً لم تقم يوماً بتفعيل حق الدفاع الذي يمنحه لها الاتفاق والذي تبرّر “إسرائيل” اعتداءاتها تحت عنوانه، بل رفضت أي مقترح يتعلق بتنفيذ موجباتها حتى تعود “إسرائيل” إلى متن الاتفاق وتلتزم موجباتها وفق نصوصه. والواضح أن ضغط السلطة يجري على ضفة المقاومة، وليس على ضفة رعاة الاتفاق ولا على الطرف المقابل بالاتفاق الذي لم يلتزم بأي من بنوده، بعكس ما فعلت حتى 5 آب 2025.

– المقاومة الواقعة بين تنصّلين من الاتفاق، إسرائيلي وأميركي، تجد نفسها أمام تخلٍّ لبناني رسمي عنه، بحيث صار الاتفاق مجرد حلقة في سلسلة نزع سلاح المقاومة التي خاض الإسرائيلي الحرب تحت شعارها، وبحيث صار انسحاب المقاومة من جنوب الليطاني حلقة في سلسلة متصلة لإنهاء أمر السلاح، وليس سلاحاً منحته المقاومة للدولة لفرض الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، بل ذخيرة للضغط لمزيد من نزع السلاح تمهيداً لاتفاق جديد، تؤكد المقاومة أنه تفريط بحقوق سيادية لبنانية في الأرض والأجواء وربما المياه أيضاً على نمط ما يجري تداوله حول الاتفاق السوري الإسرائيلي الذي يقول الأميركيون إنه النموذج الذي يجب أن يتبع على المسار اللبناني.

– مخاطر الانفجار على شكل حرب إسرائيلية وارد، ومخاطر المغامرة بالضغط على المقاومة في الداخل تحت شعار احتواء السلاح شمال الليطاني تمهيداً لنزعه، قد تتحوّل إلى احتكاكات مليئة بالمخاطر، والمقاومة التي تنازلت عن حق الدفاع وعن جنوب الليطاني للدولة تتحمل مساءلة جمهورها عن مبرّر تحمل هذا النزف اليومي بلا ردّ، بكلفة تعادل وربما تزيد عن كلفة حرب، أمام تحدّ وجودي، يطرح السؤال عن معنى التمسك بالاتفاق الذي لم يعد له وجود إلا في خطابها، وصار مجرد غطاء لما يراه جزء كبير من جمهورها أقرب إلى التخلي عن مبرر وجود السلاح، الذي يتحول إلى موضع تنمّر خصوم المقاومة عليها بالقول إما أن تردّوا أو تسلّموا السلاح، ويوماً بعد يوم تضطر المقاومة إلى بلورة جوابها بين الردّ وتسليم السلاح، وبين حرب الخارج ومخاطر حرب الداخل تختار المقاومة حرب الخارج حكماً، وهي حرب تبدو في الطريق آتية إن لم تذهب المقاومة إليها.

– ربما يبدأ الأمر بالإعلان عن مهلة يعتبر الاتفاق بعدها غير موجود، ما لم يستلحق الشركاء فيه، الدولة والراعي الأميركي والاحتلال، ما عليهم فعله للحفاظ عليه، أو قبول تداعيات اعتباره منتهي الصلاحية بما يترتب على ذلك من عودة المقاومة إلى جنوب الليطاني وتحملها مسؤولية حق الدفاع الذي نصّ عليه الاتفاق بعدما تخلت الدولة عنه، وعندها إن هُزمت المقاومة فلا أسف على السلاح ولتذهب الدولة نحو اتفاق جديد لا تصرّح بسعيها إليه الآن رغم تمهيدها لذلك تحت شعار المتغيرات الإقليمية والدولية وتغيّر موازين القوى، وإن حدث العكس لكل حادث حديث!