Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر January 26, 2026
A A A
الاستحقاق النيابي في لبنان… مال وحواصل وقانون مبتور
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

 

لم تكن الحياة السياسية في لبنان يوماً نموذجية، لكنها اليوم تبدو في أكثر مراحلها تشتتاً مع اقتراب الاستحقاق النيابي في ظل قانون مبتور تفعل فيه الحواصل فعلها.
الانتخابات، التي يُفترض أن تكون لحظة محاسبة وتجديد للسلطة، تحوّلت إلى ساحة مزدحمة بالمرشحين المعلنين او المحتملين، فقيرة بالبرامج، وغنية بالمال السياسي حيث يحكى ان هناك احزاب وتيارات تختار المحظين على لوائحها ليس عبر كفاءاتهم او برامجهم بل الشرط الاساسي ان يكون “مقرشاً”.
في مراحل سابقة، كان النواب يأتون عبر الإقطاع السياسي ثم عبر البيوتات السياسية المرتكزة على زعامات مناطقية ورثت النفوذ والتمثيل، فنجح التوريث أحيانًا بفعل الكاريزما أو القدرة السياسية، وفشل أحياناً أخرى حين غابت الكفاءة وحضر الاسم فقط، ما ادى الى نمو العشب على عتبات بعض الابواب فيما تابعت البيوتات الاخرى عملها السياسي بثقة ناسها ومحبتهم وبقدرات اصحابها على التعاطي السياسي ليس فقط عبر الخدمات بل عبر اقتراحات قوانين نيابية لامست وجع الناس وعبر التَماس الدائم مع ناسها في السراء والضراء فبقي لممثلها حضور وهيبة ودور تشريعي واضح.
مع انتفاضة المجتمع المدني، التف العديد من الشباب الباحث عن التغيير حول شعارات الإصلاح والشفافية وبناء الدولة، لكن التجربة سرعان ما اصطدمت بالواقع: انقسامات داخلية، صراعات شخصية، وانقلابات على المبادئ والبعض انقلب على داعميه من المجتمع المدني وبات اليوم يحاول جاهداً الالتحاق بلوائح الاحزاب والتيارات التي اعلن سابقاً الترشح ضدها، وبدل أن يشكّل نموذجاً مختلفاً في الأداء النيابي، أضاع فرصة ثمينة وبدّد ثقة شريحة واسعة من الشباب.
بدوره بات اليوم المال السياسي لاعباً أول فمع وفرة المرشحين المحتملين من أحزاب وتيارات ومستقلين، بات المال العامل الحاسم في تشكيل اللوائح وحجز المقاعد، من يملك التمويل يفرض نفسه على اللوائح الأساسية، بغض النظر عن كفاءته أو برنامجه. والأسوأ أن بعض الطامحين للنيابة جمعوا أموالهم لا من جهد مشروع، بل من مصادر مشبوهة، فيما آخرون لا يملكون أي معرفة بالتشريع أو بالقوانين، لا من قريب ولا من بعيد، ما يحوّل المقعد النيابي إلى استثمار انتخابي.
السياسة علم وفن وإدارة مصالح عامة، وليست مجرّد علاقات وبرستيج، ومع ذلك، عانى اللبنانيون من نواب لم يقدّموا اقتراح قانون واحداً في دورات نيابية كاملة حتى اننا لم نسمع اصواتهم داخل المجلس ولو لمرة يتيمة، ونواب وصلوا بفعل الصدفة أو بفعل الحاصل الانتخابي، الى آخرين لا يزورون مناطقهم إلا في مواسم الحملات الانتخابية، أضف إلى ذلك انحدار الخطاب السياسي حيث باتت المفردات البذيئة والتراشق اللفظي مشهداً مألوفاً على الشاشات، ما أفقد الموقع النيابي هيبته واحترامه فبدت الحياة السياسية وكأنها فقدت بوصلتها، فهزلت… ثم هزلت… حتى بتنا نترحّم على مراحل كنّا ننتقدها يوما ما.
الامل كل الامل اليوم مع اقتراب الاستحقاق النيابي معقود على وعي الناخب، وادراكه بأن النيابة مسؤولية وطنية فيختار الصح والافضل لمجلسه النيابي.