Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر January 25, 2026
A A A
ثوار الانهيارات.. في موسم الكوارث!!
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

طرابلس ليست مدينة منكوبة بفعل الطبيعة، بل بفعل الإهمال المزمن، ففي مناطقها وأحيائها الشعبية من القبة إلى التبانة فجبل محسن وباب الرمل والسويقة والأسواق وغيرها، يتوزع أكثر من 600 مبنى آيل للسقوط ومسجّل خطر، يشكّل كل واحد منهم قنبلة موقوتة تنتظر لحظة الانهيار لتعيد إنتاج المأساة نفسها، والسيناريو السياسي نفسه، والبيانات الاستنكارية نفسها.

في كل مرة يسقط فيها مبنى، تقوم القيامة ثم تقعد بعد يوم أو يومين، لتعود الأمور إلى سباتها العميق. بعض النواب يهرعون إلى مواقع الكوارث، يقفون فوق الأنقاض، يذرفون الدموع أمام الكاميرات، يجرون الاتصالات يتنافسون في إصدار بيانات الشجب والاستنكار وتحميل المسؤوليات.. ناشطون يستثمرون المأساة في تصفية الحسابات أو تسجيل النقاط، ومرشحون يطلّون فجأة ليعلنوا الثورة على إهمال النواب في موسم انتخابي دائم، ثم تنتهي مراسم العزاء، وتُطوى صفحات الضحايا، ويُعاد إنتاج الصمت نفسه.

منذ بداية الشتاء، وطرابلس ترفع صوتها يومياً، للفت نظر الحكومة والوزارات المعنية إلى أزمة الأبنية الآيلة للسقوط، سقط مبنى في ضهر المغر، فاهتزّت المدينة أيّاماً ثم عاد كل شيء إلى طبيعته القاتلة، وأمس سقط مبنى في القبة، وغداً ستسقط مبانٍ أخرى إذا استمر هذا النهج القائم على انتظار الكارثة بدل العمل على منعها.

المفارقة أنّ الحكومة التي جاءت تحت شعار الإنقاذ منشغلة بملفات كبرى كحصرية السلاح واستعادة قرار الحرب والسلم في ظل العدوان الإسرائيلي اليومي، فيما يؤكد رئيس الحكومة نواف سلام أنّ ملف الأبنية المتصدعة في طرابلس هو أولوية قصوى. لكن هذه الأولوية تبقى كلاماً للاستهلاك السياسي، بلا أي ترجمة فعلية على الأرض. فإذا كانت هذه هي “الأولوية القصوى” وسقط مبنيان وقُتل مواطنون تحت الأنقاض، فكيف سيكون الحال لو لم يكن الملف على سلّم الأولويات؟

لا يحتاج الأمر إلى خطابات ولا إلى بيانات ولا إلى استعراضات إعلامية بزيارات لا تسمن ولا تغني من ترميم، ما تحتاجه طرابلس هو إرادة سياسية حقيقية، وتضافر جهود المسؤولين في المدينة، وأن ينسى كثير من النواب والمرشحين موسم الانتخابات قليلا ويتذكروا أنّ لهم مدينة وأهلاً ومسؤولية، وأن يتعاون الجميع في الضغط على الحكومة لوضع خطة قصيرة الأمد لمعالجة الأبنية التي تواجه خطر السقوط الفوري، وخطة متوسطة الأمد لمعالجة الأبنية المتصدعة قبل أن تتحول المدينة برمتها إلى مقابر جماعية.
من دون هذه الخطوات سيبقى مجتمع طرابلس بنوابه ومسؤوليه وبلديته وناشطيه وهيئاته المدنية وأهله أشبه “بثوار إنهيارات”، ينتظرون الكارثة لإعلان إنتفاضة مؤقتة فوق أنقاض المنازل وجثث الضحايا، ولإصدار بيانات الاستنكار الجاهزة والتي باتت غب الطلب.