Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر January 23, 2026
A A A
الانتخابات النيابية اللبنانية بين الالتزام الدستوري.. وإمكانية التأجيل
الكاتب: لينا الحصري زيلع - اللواء

 

مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية المقرر في أيار المقبل، تتصاعد التساؤلات حول إمكانية إجرائها في موعدها، في ظل واقع سياسي وأمني واقتصادي معقّد يثير مخاوف جدّية حول قدرة الدولة على تنظيم الاستحقاق ضمن المهل الدستورية.

وكما هو معروف فان الانتخابات النيابية تعتبر أحد الأعمدة الأساسية للحياة الديمقراطية في البلد، وهي تمثّل الوسيلة الرئيسة لتجديد الشرعية للمجلس النيابي، وإتاحة الفرصة للمواطنين لممارسة حقهم في اختيار ممثليهم.
وعلى مسافة تقلّ عن أربعة أشهر من موعد هذا الاستحقاق فان غياب التوافق حول قانون الانتخابات يهدّد مصير هذا الاستحقاق برمّته، كما انه من المعروف ان دعوة الهيئات الناخبة تتم قبل ٩٠ يوماً من موعد الانتخابات، مما يعني وجوب اطلاق وزارة الداخلية صفارة هذا الاستحقاق في العاشر من شباط المقبل.
ولكن يبقى اللافت، هو تشديد السلطات اللبنانية التزامها بإجراء هذه الانتخابات في موعدها وعلى رأسها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وهو دعا «اللبنانيين الى الاقتراع بكثافة، وانتخاب من يمثلهم ومن يحمل مشروعا سياسيا واضحا في خدمة الوطن وليس من يشتريهم بالمال ومن يقدم خدمات آنية» وأكد أن «الانتخاب هو مسؤولية شخصية وفردية، وحق مقدّس لكل مواطن، وعليه أن يمارسه بضمير حيّ ووعي وطني».
وهو ما يوحي ان موقف الرئيس عون يدلّ على محاولته طمأنة الرأي العام ورفع الثقة بمؤسسات الدولة، باعتبار ان الالتزام بالموعد المحدد لهذا الاستحقاق مؤشراً على احترام الدستور وحقوق المواطنين، لا سيما أن التصويت يعتبر حق وواجب، وأن الانتخابات فرصة لاختيار من يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً لخدمة الوطن بعيداً عن السياسات اللحظية أو شراء الأصوات.
مع ذلك، فإن مصادر سياسية متابعة لملف الانتخابات تلفت عبر «اللواء» بان التأكيدات الرسمية، رغم أهميتها الرمزية والسياسية، تصطدم بعدة معوقات على الأرض قد تجعل الالتزام بالموعد تحدّياً صعباً، وذلك في ظل الانقسامات السياسية العميقة حول قانون الانتخاب، وخصوصاً فيما يتعلق بالآليات الخاصة بالتصويت للمغتربين، مما يجعل أي توافق سريع شبه مستحيل، وتلفت المصادر الى أن ضيق الوقت المتبقّي لإتمام الإجراءات اللوجستية والإدارية، والتحديات الاقتصادية والأمنية، كلها عوامل قد تضغط باتجاه التفكير في تأجيل الانتخابات، ولو بشكل تقني قصير وهو أمر اعترف به رئيس الجمهورية نفسه.

كما تشير المصادر الى ان ملف مشاركة اللبنانيين غير المقيمين في الانتخابات النيابية يعتبر أيضا من أكثر الملفات حساسية في الوقت الراهن، إذ تختلف الآراء حول مدى توسيع مشاركتهم وكيفية تنظيم اقتراعهم، مع استبعاد أن يتم تنفيذ التعديل على هذا الموضوع بسرعة، وخصوصاً أن أي خللا في العملية قد يؤدي إلى فقدان مصداقية النتائج وتأثير سلبي على الثقة بالمجلس النيابي المقبل.
وفي هذا الإطار، ترى المصادر السياسية بان هناك تصوّرا لعدة سيناريوهات محتملة لهذا الاستحقاق:
الأول هو إجراء الانتخابات في موعدها وفق القانون الحالي، من دون أي تعديلات، وهو السيناريو الأسهل من الناحية القانونية لكنه قد يواجه صعوبات تطبيقية.
السيناريو الثاني يتمثل في تأجيل محدود تحت عنوان «تقني»، لإتاحة الوقت الكافي لضبط الآليات اللوجستية وضمان مشاركة فعّالة للمغتربين.
بينما السيناريو الثالث وبحسب المصادر يشمل تمديد ولاية المجلس الحالي لفترة أطول، وهو خيار يُعتبر الأقل تفضيلاً سياسياً ودستورياً، لكنه قد يصبح وارداً في حال فشل التوافق حول القانون وآليات التنفيذ.
وهو ما يعيدنا بالذاكرة الى التأجيل والتمديد الذي شهدته الانتخابات النيابية مرات عدة بسبب خلافات سياسية، أو عقبات أمنية، أو تعقيدات تنظيمية، وأسس لثقافة الهروب من الاستحقاقات في أحيان كثيرة، خصوصاً قبل موعد الاستحقاق بأشهر قليلة.
ولكن تعود المصادر لتشير الى الضرورة الاستفادة من الظروف الحالية التي تختلف عن تلك السابقة، خصوصاً بعد انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة التزمت بإجراء الانتخابات البلدية في موعدها، وهو ما قد يزيد الضغوط لتجنّب أي مساس بالموعد الدستوري، والحفاظ على نزاهة العملية الانتخابية ومصداقية المؤسسات.
من هنا ، تشدّد المصادر على أن إجراء الانتخابات في موعدها ليس مجرد شعار، بل هو اختبار حقيقي لنضج النظام السياسي اللبناني، وقدرته على حماية مؤسسات الدولة، واستعادة ثقة المواطنين بها.
وفي المقابل، ترى المصادر أن أي تأجيلا، مهما كان محدوداً، سيكون له انعكاسات سياسية وشعبية، إذ يُنظر إليه عادة على أنه تعبير عن عجز النظام عن ضبط قواعد اللعبة الديمقراطية.
في المحصلة، وبين التأكيدات الرسمية والواقع المعقّد، يبقى السؤال الجوهري حول الانتخابات النيابية اللبنانية وهو هل تكفي الإرادة السياسية والإدارية لإجراء الانتخابات في موعدها، أم أن التحديات السياسية واللوجستية ستفرض إعادة النظر في الجدول الزمني، إضافة أيضا الى استمرار الغارات الإسرائيلية على المناطق اللبنانية والذي يشكّل سبباً إضافياً للتأجيل في ظل غياب الضمانات الدولية بعدم قيام إسرائيل بتوسعة الحرب.
وفي كل الأحوال يشكّل هذا الاستحقاق اختبارا لمصداقية المؤسسات وفرصة أمام اللبنانيين لإثبات قدرتهم على ممارسة حقهم الانتخابي بمسؤولية كبيرة.