Beirut weather 16.88 ° C
تاريخ النشر January 23, 2026
A A A
مجلس السلام: حلول أم إدارة الحروب..؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دافوس عن ميثاق «مجلس السلام» يندرج في إطار محاولة أميركية لإعادة الإمساك بمفاتيح إدارة النزاعات المفتوحة، دون الذهاب إلى حدِّ كسر الإطار الدولي القائم أو استبدال الأمم المتحدة، وهو ما حرص الرئيس الأميركي على تأكيده صراحة.

أهمية هذه الخطوة لا تكمن في بُعدها المؤسَّسي فحسب، بل في السياق السياسي الذي أتت فيه، ولا سيما ربط مهام المجلس حصراً بمتابعة تنفيذ اتفاق وقف الحرب وتحقيق السلام في غزة، بما يحمله ذلك من أبعاد أمنية وإنسانية وإعمارية بالغة الأهمية والتعقيد.
من حيث المبدأ، يمكن لمجلس من هذا النوع أن يشكل أداة ضغط سياسية ودبلوماسية إضافية لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق مجدداً نحو المواجهة، خصوصاً إذا نجح في تأمين آلية متابعة فعَّالة تفرض التزامات واضحة على الأطراف المعنية، وتربط بين الاستقرار الأمني والانطلاق الجدي في إعادة الإعمار.
في الحالة الفلسطينية –الإسرائيلية، تكمن أهمية المجلس في قدرته المحتملة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة بناء مسار سياسي تدريجي، ولو كان محدود السقف، يعالج قضايا الأمن، وفتح المعابر، وإعادة الإعمار، وتخفيف الكارثة الإنسانية في غزة، باعتبارها مدخلاً لا يمكن تجاوزه لأي حديث عن تطبيع أو سلام مستدام.
غير أن نجاح المجلس في تحقيق هذه الأهداف يبقى مشروطاً بعاملين أساسيين: أولهما مدى جدية الإدارة الأميركية في ممارسة الضغط على إسرائيل، لا الاكتفاء بدور الوسيط المنحاز، وثانيهما قدرة المجلس على إشراك أطراف دولية وإقليمية فاعلة، بما يمنحه صدقية تتجاوز كونه إطاراً أميركياً بحتاً. هنا يبرز السؤال حول إمكان توسع مهام المجلس ليشمل ساحات نزاع أخرى، مثل جنوب لبنان أو الحرب الأوكرانية. نظرياً، لا شيء يمنع ذلك، لكن عملياً يبدو أن واشنطن تفضل حالياً حصر التجربة في غزة، تفادياً لتشعب الملفات وتعقيد التوازنات، لا سيما في ساحات تتداخل فيها مصالح قوى أخرى.
أما على المستوى الأوروبي، فمن المتوقع أن يتسم هامش التحرك بين التحفظ الحذر والمعارضة الناعمة. أوروبا، التي تعاني من تراجع دورها في إدارة الأزمات الدولية، لن تذهب بعيداً في مواجهة المبادرة الأميركية، لكنها في المقابل ستسعى إلى تثبيت حضورها عبر الأمم المتحدة، والدفع باتجاه مقاربة متعددة الأطراف تضمن عدم تهميش القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
الواقع أن «مجلس السلام» الترامبي يشكل تحدياً جديداً للدبلوماسية الأميركية: إما أن يتحول إلى رافعة حقيقية لوقف الحروب وبناء الاستقرار، كما يرغب ترامب، أو أن يبقى أسير تعقيدات إدارة الأزمات وعدم القدرة على تجاوزها إلى رحاب معالجتها وإيجاد الحلول المناسبة لها.