Beirut weather 15.04 ° C
تاريخ النشر January 22, 2026
A A A
قائد الجيش في واشنطن: هل يحسم معركة الدعم قبل مُؤتمر باريس؟
الكاتب: دوللي بشعلاني

كتبت دوللي بشعلاني في الديار 

تكتسب زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى واشنطن، المقرّرة بين 3 و5 شباط المقبل، أهمية إستثنائية تتجاوز الطابع البروتوكولي، إذ تأتي في لحظة مفصلية من العلاقة، بين المؤسسة العسكرية اللبنانية والداعمين الدوليين، وقبل أسابيع قليلة من مؤتمر دعم الجيش اللبناني المرتقب في باريس في 5 آذار المقبل.

 

والزيارة كانت مقررة أصلاً في تشرين الثاني الماضي، لكنها أُلغيـت بعد احتجاجات أميركية على بيان الجيش، الذي ركّز على الانتهاكات الإسرائيلية، دون توضيح التزامه بخطة “حصر السلاح”، الأمر الذي أدّى إلى توتّر بين واشنطن وقيادة الجيش، وأثار نقاشاً في الكونغرس حول استمرار الدعم العسكري للبنان.

 

لهذا تُعدّ زيارة هيكل المرتقبة إلى واشنطن إختباراً مزدوجاً، على ما تؤكّد أوساط ديبلوماسية مطلعة، لقدرة قائد الجيش على إعادة تثبيت موقع المؤسسة العسكرية، كشريك موثوق للولايات المتحدة، ولقدرة واشنطن بالتالي على الموازنة بين استمرار دعم الجيش، وبين مطالب سياسية وأمنية متصاعدة تتصل بدوره في المرحلة المقبلة.

 

فماذا يمكن أن يجنيه قائد الجيش من زيارة واشنطن، تجيب الأوساط أنّ الزيارة بحدّ ذاتها تمثّل بالنسبة إلى العماد هيكل فرصة استراتيجية على ثلاثة مستويات مترابطة:

 

1- إعادة ترميم الثقة مع واشنطن، سيما وأنّ تأجيل زيارة تشرين الثاني لم يكن تفصيلاً عابراً. فبحسب تقارير أميركية وغربية، عبّرت دوائر في الإدارة الأميركية والكونغرس عن امتعاضها من أداء الجيش في ملفات اعتُبرت حسّاسة، ولا سيما ما يتصل بدوره في الجنوب وبمسألة “حصر السلاح” بيد الدولة. من هنا، تشكّل الزيارة فرصة لإعادة ضبط العلاقة، عبر تقديم مقاربة مختلفة تقوم على خطط عملياتية مكتوبة، جداول زمنية، وأولويات واضحة قابلة للقياس، وهي لغة تطلبها واشنطن تحديداً قبل المضي في أي التزامات إضافية.

 

2- تحصين موقع الجيش داخلياً وخارجياً. فالعماد هيكل يحمل إلى واشنطن رسالة أساسية مفادها أنّ الجيش، رغم الانهيار المالي والمؤسساتي في لبنان، لا يزال المؤسسة الأكثر تماسكاً والقادرة على ضبط الاستقرار الداخلي، ومنع انزلاق الحدود الجنوبية إلى مواجهة مفتوحة، فضلاً عن لعب دور محوري في أي ترتيبات أمنية مقبلة.

 

3- فتح الباب أمام دعم نوعي لا شكلي. فالزيارة لا تهدف فقط إلى تثبيت الدعم القائم، بل إلى تطوير طبيعته، عبر الإنتقال من مساعدات طارئة إلى برامج متعددة للسنوات المقبلة، والتركيز على القدرات اللوجستية والتقنية، وتوسيع برامج التدريب والتجهيز، وهو ما يحتاجه الجيش للحفاظ على جهوزيته في ظلّ التحديات المتراكمة.

 

في المقابل، تحمل واشنطن إلى طاولة الاجتماعات، وفق الأوساط الديبلوماسية، مطالب واضحة، يمكن اختصارها بثلاثة عناوين رئيسية:

 

1- التزامات عملية في ملف “حصرية السلاح”. فالولايات المتحدة لا تطلب مواجهة مباشرة، لكنها تطلب رؤية خطة تدريجية ملموسة، دوراً أكثر وضوحاً للجيش في بسط سلطة الدولة، ليس فقط جنوب الليطاني، بل أيضاً في شماله وصولاً إلى نهر الأولي. ولهذا تتوقّع قيام هيكل بخطوة في هذه المنطقة قبل ذهابه إلى واشنطن. فضلاً عن مؤشرات ميدانية قابلة للتقييم. وتربط بالتالي استمرار دعمها بمدى التقدّم في هذا المسار، ولو بخطوات محسوبة.

 

2- دور أكثر فاعلية في الجنوب. ففي ظل النقاش الدولي حول مستقبل مهمة «اليونيفيل» بعد العام الحالي (2026)، ترى واشنطن أنّ الجيش اللبناني سيكون الركيزة الأساسية لأي ترتيب أمني جديد جنوباً. الأمر الذي يتطلّب تعزيز انتشاره، ورفع الجهوزية، وتطوير قدرات المراقبة واللوجستيات. وهي ملفات ستكون حاضرة بقوة في محادثات شباط.

 

3- تحييد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات. تشدّد واشنطن على ضرورة الحفاظ على الجيش كمؤسسة وطنية، غير خاضعة للتوازنات السياسية والطائفية، معتبرة أنّ أي تسييس مفرط يُهدّد مبرّر الدعم الدولي برمّته. وتكشف الأوساط الديبلوماسية، استناداً إلى أرقام رسمية أميركية، أنّ الولايات المتحدة قدّمت للجيش اللبناني منذ العام 2006 أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات العسكرية. وفي السنوات الأخيرة، تراوح الدعم السنوي بين 150 و200 مليون دولار، شمل الرواتب والتدريب والتجهيزات والدعم اللوجيستي.

 

ولكن من الواضح أنّ بعض الأمور قد تغيّرت اليوم، فأي زيادة أو تثبيت طويل الأمد لهذا الدعم، بات مشروطاً بنتائج سياسية وأمنية واضحة. كما أنّ بعض دوائر الكونغرس تضغط لربط المساعدات بتقارير دورية للجيش. في الوقت نفسه، تربط الأوساط بين الزيارة والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في 5 آذار المقبل في باريس، سيما وأنّ الدعم الدولي المالي له بات يتطلّب “جهوزية لبنان لتنفيذ المطالب الدولية”.

 

وتشير الاوساط إلى مشاركة الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، مصر ودول أوروبية فيه. وسيتمّ خلاله التركيز الخاص على دعم الجيش والمؤسسات الأمنية، وفق لائحة الاحتياجات التي سيعرضها العماد هيكل.

 

وتتوقّع الأوساط أن يتراوح حجم التعهّدات في مؤتمر دعم الجيش، بين 500 مليون ومليار دولار على شكل دعم متعدّد السنوات، على ما سبق وأن طالب رئيس الجمهورية. علماً بأنّ جزءاً كبيراً منها سيكون مشروطاً بالإصلاحات وبالدور الأمني للجيش. كذلك فإنّ نجاح زيارة هيكل إلى واشنطن يُعدّ عاملاً حاسماً، في تحديد مستوى الحماسة الدولية في هذا المؤتمر.

 

 

 

وتخلص الأوساط الديبلوماسية إلى القول بأنّ زيارة قائد الجيش المرتقبة إلى واشنطن في شباط المقبل، ليست محطة عادية، بل بوّابة عبور نحو مؤتمر آذار، واختبار حقيقي لمعادلة الدعم المشروط. وما يمكن أن يجنيه هيكل من هذه الزيارة، هو تثبيت موقع الجيش كشريك لا غنى عنه، وما تريده واشنطن هو جيش أكثر حضوراً وفاعلية، ضمن حدود مرسومة بدقّة. وبين هذين الحدّين، تُكتب فصول المرحلة المقبلة من علاقة لبنان بالمجتمع الدولي.