Beirut weather 14.17 ° C
تاريخ النشر January 22, 2026
A A A
إسرائيل ترسم سيناريوات المواجهة: النصر على إيران ليس محسوماً
الكاتب: حسين الأمين

كتب حسين الأمين في الأخبار

تتراكم الإشارات على اقتراب لحظة حاسمة في مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، سواء أكانت لحظة إقدام أميركي، أم تراجعاً، أم تهدئة ثمّ تسوية. وفي خضمّ ذلك، تتحوّل إسرائيل، التي فضّلت هذه المرة أن تنقاد خلف «الحملة الأميركية»، لا أن تقود حملتها الخاصة، إلى «غرفة صدىً» لما يفكّر به الأميركيون، وما هو ممكن ومفيد، وما هو حالمٌ وخطير، بالنسبة إلى الإسرائيليين، الأخبر والأعلم بالملف الإيراني – كما يقولون – من حلفائهم. وفي هذا الإطار، تعيد النخب السياسية والعسكرية الاستراتيجية الإسرائيلية، إنتاج سيناريوات متفاوتة لما سيكون عليه الموقف مع إيران خلال المرحلة المقبلة، في ظلّ قناعة شبه كاملة لدى هؤلاء، بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتريّث ويخادع، لكنه لم يقلع بعد عن نيّته توجيه ضربة عسكرية ضدّ طهران، رغم الاختلاف الواضح في تقدير حجم الضربة المُفترضة ونوعها وهدفها.

 

ومن بين تلك التقديرات، ما يورده رونين بيرغمان في «يديعوت أحرونوت»، نقلاً عن مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، من أن قيادة طهران «حسمت الجولة الحالية من التصعيد لمصلحتها»، وأن تقديرات إسقاط النظام «مُبالغ فيها»، خصوصاً في ظلّ «محدودية المعلومات الاستخباراتية الناجمة عن قطع الاتصالات». ويطرح بيرغمان أسئلة تفصيلية حول «اليوم التالي» لأي حملة أميركية – إسرائيلية مشتركة، من بينها: من سيحمي المتظاهرين؟ من سيسيطر على الشوارع والقواعد والمنشآت النووية؟ ومن سيضبط الحدود الطويلة مع العراق وأفغانستان؟ ليخلص إلى «غياب أي قوة معارضة منظّمة قادرة على ملء الفراغ»، وهو ما سيحوّل سيناريو «قطع الرأس» إلى «وصفة لفوضى طويلة» لا إلى انتقال منظّم للسلطة.

وفي السياق نفسه، تكشف قناة «كان» عن «انتقادات داخلية» في المنظومة الأمنية الإسرائيلية لتقديرات «شعبة الاستخبارات العسكرية»، واتهامات لها بـ«الخلط بين الرغبات وتوصيف الواقع». وتنطلق هذه الانتقادات من حقيقة أن النظام الإيراني «نجح، خلال أسبوع تقريباً، في الانتقال من وضع فيه أكثر من مليون متظاهر في الشارع إلى شبه انعدام للتجمّعات»، وأن الأزمات البنيوية التي يواجهها «ليست جديدة بل يتعايش معها منذ سنوات».

 

طهران «حسمت الجولة الحالية من التصعيد لمصلحتها»

 

 

أمّا رون بن يشاي، في «يديعوت أحرونوت»، فيربط بين دينامية الاحتجاجات الداخلية في إيران وسلوك النظام الخارجي، منطلقاً من فرضية مفادها أن «الوضع في الجمهورية الإسلامية لن يعود إلى ما قبل موجة التظاهرات الأخيرة»؛ إذ على الرغم من «نجاح السلطة في تفريغ الشوارع بالقوة»، إلا أن قادة النظام في طهران، بحسب زعم بن يشاي، شعروا بأن «الأرض تهتزّ تحت أقدامهم». وانطلاقاً من ذلك، يرجّح الكاتب سيناريوَين متوازيَين: تصعيد داخلي إضافي ضدّ المعارضين، ومحاولة تصدير الأزمة إلى الخارج، حيث تقف إسرائيل والمصالح الأميركية في المنطقة، على رأس لائحة الأهداف الإيرانية بالطبع. وممّا يزيد من قلق تل أبيب في هذا السياق، بحسب بن يشاي، كون قرارات طهران أصبحت «أقلّ عقلانية وأكثر فوضوية»، بعد العملية العسكرية التي شنّتها إسرائيل العام الماضي ضدّها، «الأمر الذي يرفع خطر سوء التقدير، حتى لو لم يكن النظام متحمّساً لمبادرة هجومية واسعة ما لم يتعرّض هو نفسه لضربة أولاً».

بدوره، يقدّم «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، في دراسة صادرة عنه، مقاربة أكثر تفصيلاً للسيناريوات المحتملة لتدخّل أميركي في إيران. وتذكّر الدراسة التي أعدّها عدد من باحثي المعهد، بأن ترامب سبق أن أقدم بالفعل على استخدام القوّة المباشرة ضدّ قادة وبنى تحتية كبرى في دول محدّدة، مثلما حصل لدى اغتيال قائد «فيلق القدس» الشهيد قاسم سليماني، ومهاجمة المنشآت النووية الإيرانية في حزيران 2025، وصولاً إلى اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع 2026. وإذ يجعل ذلك من تهديده بالتدخل العسكري في إيران «أكثر قابلية للتصديق» من تهديدات سابقيه، فإن ثلاثة مسارات رئيسيّة للعمل العسكري الأميركي المُحتمل ضدّ طهران، ترتسم بالنسبة إلى الباحثين:

 

أولاً، ضربة «رمزية» محدودة الحجم ضدّ مواقع أو شخصيات إيرانية، تهدف إلى إثبات جدّية التهديد وإعادة طهران إلى طاولة المفاوضات بشروط أفضل، من دون السعي الفوري لتقويض النظام.

ثانياً، ضربة أوسع مُخصّصة لـ«تقويض النظام» عبر استهداف «الحرس الثوري» و«الباسيج» والأجهزة الأمنية وشخصيات في هرم السلطة.

ثالثاً، هجوم قوي يركّز على الأصول العسكرية – الصاروخية والنووية، والدفاع الجوي ومنظومات القيادة والسيطرة، بحيث يُصعّب على إيران الردّ، ويزيد تكلفة تمسّكها بالمسار النووي والصاروخي.

 

وفي مقابل سيناريوات العمل الأميركي، تضع دراسة «معهد بحوث الأمن القومي» أربعة خيارات محتملة أمام إيران:

أولاً، الردّ على القواعد والبنى التحتية الأميركية في الخليج، بالاستفادة من مخزون الصواريخ القصيرة المدى والطائرات المُسيّرة الانتحارية، مع ما يحمله ذلك من خطر استدراج ضربات أميركية أشدّ قسوة قد تستهدف رأس النظام.

ثانياً، مهاجمة إسرائيل بالصواريخ والطائرات المُسيّرة كطريقة لتفادي مواجهة مباشرة مع الأميركيين، مع احتمال جرّ «حزب الله» في لبنان إلى معركة جديدة.

 

ثالثاً، التلويح بخيار إغلاق مضيق هرمز كملاذ أخير يرفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، مع ما يعنيه ذلك من تدويل للأزمة.

رابعاً، الانخراط في مسار دبلوماسي يُفضي إلى اتفاق جديد يقيّد تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية، بما ينعكس على طبيعة النظام وهويته الأيديولوجية، وهو خيار يشكّك المعهد في إمكانية تحقّقه من دون حدوث تغيّر في قمة الهرم الحاكم، وذلك عبر انقلاب داخلي مثلاً، أو حتى اغتيال مرشد الثورة السيد علي الخامنئي.

وعلى أيّ حال، تشير دراسة المعهد، إلى أن تهديدات ترامب المتكرّرة، مقرونة بتأخير التنفيذ، تعكس «استعداداً استثنائياً لاستخدام القوة» من جهة، وحدود القدرة العملانية الأميركية من جهة أخرى. وتخلص الدراسة إلى أن «احتمالات العمل العسكري ارتفعت فعلاً»، لكن أيّ عملية ستكون محكومة بقيود القدرات العسكرية الأميركية المنتشرة في المنطقة، وبالرغبة في تجنّب حرب طويلة جديدة، ما يضع إدارة ترامب «أمام معضلة بين ضرورة الحفاظ على صدقيّة التهديد، وعدم الانجرار إلى مستنقع استنزاف».