Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر January 21, 2026
A A A
ترامب يطفئ شمعته الأولى
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

دخل دونالد ترامب البيت الأبيض على حصان أبيض مكللاً بوعود سمعها الناخبون وصدقوها، أهمها كان أنه سوف ينهي حرب أوكرانيا خلال 24 ساعة، وإنذاره لوقف حرب غزة في عشية دخوله إلى البيت الأبيض، بعد مرور عام كامل تبدو الحرب مفتوحة على احتمالات التصعيد وسقوط آفاق التسويات، وتبدو الجبهة الأميركية الأوروبية متصدّعة وغير صالحة لتشكيل جبهة تفاوض متماسكة مع أوكرانيا، ولا قوة قادرة على فرض التسوية، وقد تنقل ترامب وإدارته في التعامل مع الحرب من الموقع إلى نقيضه بين ليلة وصباح، ينام على موعد قمة مع الرئيس الروسي ويلغي القمة في الصباح، يعلن اتفاقه مع الرئيس الروسي وبعد أيام لا يبدو من الاتفاق شيء، بل إعلان العودة إلى تسليح أوكرانيا والحصيلة فشل وتخبط رغم مزاعم الرئيس الذي يستحق جائزة نوبل في مجال وقف الحروب!!

غزة التي دخل ترامب البيت الأبيض على إيقاع إنذار إقفال ملف الحرب فيها، وهو يهدد بفتح أبواب الجحيم، سقط اتفاق وقف الحرب بمباركة من ترامب بعد مرحلته الأولى، واندلعت حرب الإبادة والتجويع، كما وصفتها الأمم المتحدة والهيئات القانونية الدولية، وترامب يقف بقوة وراء صاحب حرب الإبادة والتجويع بنيامين نتنياهو بكل ما لديه، كما قال أمام الكنيست، أعطيتكم أسلحة لا أعرف بوجودها، لكنكم استخدمتم هذه الأسلحة بكفاءة، والاستخدام الكفء كانت حصيلته قتل آلاف الأطفال والنساء والعجزة، وتعميم الجوع على مليوني وربع مليون جائع ونازح بلا طعام ولا ماء ولا دواء ولا مأوى، ووقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب قبل ثلاثة شهور لم يطبّق والقتل مستمر يومياً وقد سقط منذ وقف النار أكثر من 500 من أبناء غزة وبناتها برصاص الاحتلال، والمساعدات لم تدخل كما نص الاتفاق، والاهتمام منصبّ على أولويات الشركات في استثمار عقارات غزة، كما وعد صهر ترامب جاريد كوشنر، وليس على أولويات الناس المعذبين في غزة الذين وعدهم ترامب بنهاية المأساة.

جبهة البحر الأحمر واليمن لا تزال مفتوحة، وفشل الوجود الأميركي البحري في فرض معادلة ردع تشبه حديث ترامب عن أبواب الجحيم التي قرّر فتحها على اليمنيين لفتح البحر الأحمر أمام السفن الذاهبة إلى موانئ الاحتلال، وبقي اليمن يفرض معادلاته حتى قبلت إدارة ترامب وقف النار بشروط اليمن، أميركا تتوقف عن استهداف اليمن لأنه فتح جبهة لاسناد غزة، فتوقف واشنطن إسناد “إسرائيل” في البحر الأحمر ولا يوقف اليمن إسناد غزة، وتبقى السفن المتجهة إلى موانئ الاحتلال ممنوعة من العبور تحت العيون الأميركية.

أم الحروب مع إيران، والرئيس الذي وعد أن يكون مَن ينهي حروب غيره من الرؤساء أشعل الحرب التي أحجم كل رؤساء أميركا عن الانخراط فيها، وشن حرباً مشتركة مع “إسرائيل” تحت شعارين علنيين، الاستسلام غير المشروط وتغيير النظام، فلا تحقق هذه ولا ذلك، وبعدما كانت منصة المفاوضات قائمة صارت العودة إلى المفاوضات أشدّ تعقيداً، وبعدما كان المشروع النووي الإيراني تحت الرقابة وأمام كاميرات ومفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية صار برنامجها في الظلام، وثبت خلال الحرب أن “إسرائيل” وأميركا تنجحان في ضربات الساعات الأولى ثم يبدأ وقت إيران ويعلو الصراخ من الألم الذي تتسبّب به كلما طال أمد الحرب، وتغادران الحرب بلا مكاسب وبلا شروط، وبدلاً من الاستسلام غير المشروط لإيران، يحدث الانسحاب غير المشروط من الحرب لأميركا و”إسرائيل”، وبدلاً من إسقاط النظام يتوحّد الإيرانيون حول النظام، وقبل أيام حبست الأنفاس في الحديث عن حرب جديدة من ترامب، انتهت باعتراف ترامب أنها حرب سوف تطول أسابيع وشهور ولا تُسقط النظام، وأن “إسرائيل” لا تحتمل تداعيات هذه الحرب عليها.

آخر الحروب كانت فنزويلا، ونجح ترامب باستعراض قوة مثالي واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكن لم يسقط النظام، ولم يتحقق انتقال سياسي. ولم يحصل على توقيع ملكية قطاع النفط، ولم تستجب شركات النفط لطلبات ترامب بالاستثمار في بنية تحتية لأصعب وأعقد قطاعات النفط في العالم رغم أن فنزويلا تملك أضخم احتياطات نفطية، وقد تحوّل الملف إلى استنزاف سياسي واقتصادي جديد، شبيه بتجارب سابقة فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة.

في الاقتصاد، بدت الصورة أكثر تعقيدًا. على مستوى التضخم، أظهرت الأرقام الرسميّة تباطؤًا نسبيًا، حيث بلغ المعدل السنويّ في نهاية 2025 نحو 3.2%. هذا الرقم أدنى من ذروة السنوات السابقة، لكنه بقي أعلى من مستويات ما قبل موجة التضخم الكبرى، والأهم أنه لم يتحوّل إلى واقع وبقي دفترياً، فلم يُترجم شعبيًا بوصفه “انتصارًا معيشيًا”. في الأسعار اليوميّة، وقد تحوّل البيض إلى مؤشر رمزي. متوسط سعر دزينة البيض في الأسواق الأميركية أواخر 2025 بلغ نحو 2.7 دولار، أي أقلّ من ذروة 2023، لكنه أعلى من مستويات ما قبل التضخم. هذه الفجوة بين الأرقام والإحساس اليومي بقيت حاضرة في المزاج العام، تختصرها مقولة يردّدها الناس عندما تقول التقارير الرسمية إن سعر الدزينة بسعر الجملة هو 0,40 دولار، ويردد المشتري كلام التلفزيون يردّ الباعة بالقول اشتروا من التلفزيون.

الدَّين العام، واصل الارتفاع. مع مطلع 2026 تجاوز الدين القومي الأميركي 38 تريليون دولار، فيما تجاوز الدين المحمّل على الجمهور 30 تريليونًا. مدفوعات الفوائد أصبحت أحد أسرع بنود الإنفاق نموًا، ما قيّد هامش المناورة المالية. وفي العجز المالي، قُدِّر عجز الموازنة لعام 2025 بنحو 1.7 إلى 1.8 تريليون دولار. وبالرغم من أن إيرادات الجمارك ارتفعت بفعل الرسوم التجارية، لكن هذا الارتفاع لم ينعكس خفضًا جوهريًا في الدين أو تغييرًا في البنية العميقة للعجز. أما في ملف إعادة الشركات إلى الداخل، فقد أُعلن الكثير من الأرقام والمشاريع والاستثمارات، لكن لم يحدث تحول صناعي واسع النطاق يشعر به الأميركيون من خلال فرص العمل وظهور سلع جديدة، وبينما يجري التباهي بالرسوم الجمركية لأنها وفّرت إيرادات للدولة، لكن يجري تجاهل حقيقة أنها رفعت كلفة الاستيراد على المستهلك، فيما بقيت سلاسل التوريد العالمية عامل ضغط مستمر.

إنجاز ترامب الوحيد هو في ملف الهجرة، لكن هذا الاستثناء النسبي تسبّب بحدوث تجاوزات قانونية هائلة أحدثت انقسامات كبرى ومعارك قانونية أمام المحاكم، وتمرّد ولايات على السلطات الفدرالية، وعمق الانقسام العرقي وزاد الشرخ بين الأميركيين، وظهرت الحملة على المهاجرين أـقرب لحملة عنصرية بيضاء ضد الملوّنين.

بعد سنة واحدة، تتكدّس الوقائع أكثر مما تتراكم الانتصارات. الوعود الكبرى اصطدمت بتعقيدات الواقع، والنتائج جاءت جزئية، فيما بقي السؤال مفتوحًا حول قدرة الخطاب على الصمود أمام الأرقام والخرائط والجبهات التي لم تُغلق، ويبدو ترامب يسابق استحقاقات الدين والسندات، وأميركا على صفيح ساخن، واستطلاعات الرأي بعد غزوة فنزويلا ومشروع الحرب على ايران، كشفت معارضة 70% لترامب وخياراته، بينما يبدو المشهد الانتخابي للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية القادمة قاتماً باعتراف ترامب بأرجحية الخسارة، وتبدو ظاهرة زهران ممداني الفائز بمنصب عمدة نيويورك، مفهوماً جديداً للسياسة يتمدّد.