Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر January 21, 2026
A A A
القطاع العام يمدّد الإضراب: يعطوننا القليل ويأخذون الكثير
الكاتب: الأخبار

يعاني مشروع الحكومة المقترح لزيادة رواتب وأجور العاملين في القطاع الخاص من عطب أساسي يتمثّل في أن إعادة القوّة الشرائية لهؤلاء، كما يقترح مجلس الخدمة المدنية وما تتبناه الحكومة، سيأخذ مدّة زمنية طويلة، كما إن ما ستعطيه الحكومة بيد ستأخذ مقابله باليد الأخرى في «شطب» كبير من مكاسب التقاعد التي حصل عليها العمال على مدى عقود من النضالات.

فالمعاش التقاعدي سيتراجع في آلية احتسابه إلى 70% بدلاً من 85% من الراتب الأخير، والتعويض التقاعدي سيصبح خاضعاً لعملية تجزئة، إضافة إلى الكثير من الاقتطاعات التي ستصدر تحت عنوان «الإصلاح» الذي يتطلّب سحق عدد العمال.

سحق العمال بناء على هذه الخيارات هو ما يتطابق مع الخيارات التي يؤسّس لها مشروع مجلس الخدمة المدنية الذي أعدّته شركة «سيغما» بالتعاون الوثيق مع صندوق النقد الدولي. وقد تبيّن أن لا يد طويلة أو حتى قصيرة فيه لمجلس الخدمة المدنية أو لوزارة المال، سوى «الخضوع» لهذه الإملاءات.

أيضاً هو يتماهى مع الخيارات التي اعتمدها مجلس الوزراء في تغليب لغة القطاع الخاص على القطاع العام وتكريس أدوات الخصخصة كخيار بديل من سياسات الاقتصاد الاجتماعي.

فالمطلوب، كما يريد صندوق النقد الدولي، وسط شبه غياب للممانعة من قوى السلطة، ألا يُمنح العاملون في القطاع العام أي زيادات، إلا بعد فرض اقتطاع مكاسبهم التقاعدية وفرض الضرائب عليهم لتمويل الزيادات، وتحميل الأعباء على سائر المقيمين في لبنان. ما عدا ذلك، لن يمرّ مشروع كهذا، بسبب الإملاءات نفسها التي يفرضها صندوق النقد الدولي والتي تخضع لها قوى السلطة بالكامل من رأس الهرم إلى أدناه، وبسبب غياب المقاومة الفعّالة.

فالاعتصامات والإضرابات التي دُعي إليها في الأيام الماضية لم يكن فيها ثقل تمثيلي للنقابات وروابط العاملين في القطاع العام، بل هي تخضع بشكل أساسي لإملاءات القوى السياسية والأحزاب التي أفرزت مسؤولين غائبين عن هموم العاملين في القطاع العام ويرفضون خوض أي معارك بوجه السلطة خوفاً من اتهامهم بـ«الارتداد».

رغم بشاعة المشهد، إلا أن الإضراب الذي نُفّذ أمس كان الأنجح بين التحرّكات الماضية. إذ أغلقت وزارة المال، وهي المحور الأساسي الذي يشكّل عامل ضغط على السلطة لدفعها نحو ممانعة إملاءات صندوق النقد الدولي والاستماع مجدداً إلى أصوات العمال.

وقد أوضح مسؤول نقابي في وزارة المال أن الالتزام كان كبيراً في هذا التحرّك في وزارة المال وعدد كبير من الإدارات الرسمية الأخرى والأساتذة وسائر العاملين في القطاع العام. وقد نفذ الإضراب عبر الحضور إلى مقرّ العمل والامتناع عن ممارسة الأعمال إلا بما تقتضيه الضرورة القصوى.

وتمثّلت الشعارات المطلوبة بالتوقف عن الحلول الترقيعية التي قضت في السنوات الأخيرة بتشويه الرواتب والأجور وتوسيعها عبر بدلات مالية تحت مسميات مختلفة حتى لا يتم إدخالها في صلب الراتب. وفوق ذلك كلّه، كانت الزيادات التي طالت الراتب مباشرة هي زيادات عشوائية لم تعوّض إلا جزءاً بسيطاً من التآكل اللاحق بقوّتها الشرائية. كانت كلفة الرواتب والأجور وسائر ملحقاتها الاجتماعية والتقاعد وتعويضات نهاية الخدمة والتحويلات إلى المؤسسات العامة تبلغ 4.27 مليارات دولار في نهاية 2018.

أما اليوم فإن الكلفة الإجمالية تبلغ 2.5 مليار دولار. طبعاً هذا الحساب لا يأخذ في الحسبان أجور الفئات كلّاً على حدة، ولا يتضمن التغيّر الهائل في الأعداد وهجرة الكفاءات ولا الأجر الوسطي في كلف الفئات، بل يتضمن رواتب وأجوراً لرؤساء الهيئات الناظمة ذوي الـ7 آلاف دولار شهرياً لكل واحد منهم، والأجور المعدّلة لكل رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات أيضاً بما يفوق بأضعاف رواتب العاملين في القطاع العام من الفئة الأولى نزولاً إلى الفئات الأدنى ومن مختلف الأسلاك مثل الأساتذة والعسكريين والإدارة العامة وغيرهم. ما تزال مدفوعات الأجور وملحقاتها أقلّ مما كانت عليه في 2018 بنحو 41.5%.

ويأتي هذا الأمر وسط كلام عن نموّ اقتصادي بمعدل 5%، وعن فائض أولي بقيمة تفوق المليار دولار (يُقال إنه يبلغ 1.7 مليار دولار)، وعن تراكم في احتياطات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية وزيادتها بقيمة 2 مليار دولار خلال سنة واحدة، لكن السلطة لم ترغب في إنفاق أي قرش إضافي على العاملين في القطاع العام من دون «أذونات» من صندوق النقد الدولي، ولهذا السبب هي تفاوض على إعادة هيكلة القطاع العام في إطار هدف أساسي: القضاء على القطاع العام!

على هذا الأساس قرّرت رابطة الإدارة العامة تمديد الإضراب والتوقف عن العمل ابتداءً من الإثنين 19/01/2036 حتى الأحد 25/01/2026، وتصعيد تحرّكاتها في الشارع بالتنسيق مع تجمع الروابط الذي يضمّ المتقاعدين العسكريين والمدنيين، وروابط التعليم والإدارة العامة، والمساعدين القضائيين ولجان المتعاقدين… إذ تبيّن لهؤلاء أن مشروع مجلس الخدمة المدنية يهدف إلى التمهيد لإلغاء المعاش التقاعدي عبر خفض نسبة المعاش التقاعدي لمن هم في الخدمة إلى 70% بدلاً من 85%، ومضاعفة الراتب 46 ضعفاً علماً أن تضخّم الأسعار سجّل زيادة أكثر من 60 ضعفاً ، وإلغاء حقّ البنت العزباء التي بلغت 25 سنة في المعاش التقاعدي وخفض نسبة الاستفادة للولد إلى 50%.