Beirut weather 7.43 ° C
تاريخ النشر January 20, 2026
A A A
غرينلاند: لعبة ترامب الباردة… أوروبا في المقدّمة وأميركا تراقب
الكاتب: د. محمد دوغان - اللواء

لم يكن إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الاستيلاء على غرينلاند مجرّد نزوة سياسية أو خرقاً فجًّا للمواثيق الدولية كما بدا في ظاهره، بل أقرب إلى حركة محسوبة بعناية في لعبة شدّ الحبال الدولية. فخلف الضجيج الإعلامي حول السيادة والخرائط والتهديد الروسي – الصيني، كانت هناك نتيجة واحدة تحققت بسرعة لافتة: أوروبا هرعت إلى غرينلاند، وواشنطن اكتفت بالمراقبة.

لقد قالها ترامب بوضوح: إذا لم تضع الولايات المتحدة يدها على غرينلاند، فستسبقها الصين وروسيا. ذريعة مألوفة في القاموس الأميركي، لكنها هذه المرة أدّت إلى نتيجة غير تقليدية. فبدل أن تتحرك واشنطن عسكرياً أو سياسياً، تحركت العواصم الأوروبية، ودفعت بقواتها ومواقفها إلى أقصى الشمال، وكأنها تُستدرج طوعاً إلى خط تماس جديد في الصراع العالمي. وهنا يكمن بيت القصيد. فالسؤال لم يعد: هل تريد أميركا غرينلاند؟ بل: هل أرادت أن تذهب أوروبا إليها بدلاً عنها؟

الوقائع تشير إلى أن ترامب لم يحتج إلى ضمّ الجزيرة، ولا إلى مواجهة مباشرة مع موسكو أو بكين، بل احتاج فقط إلى التلويح بفكرة الاستيلاء عليها. هذه الإشارة كانت كافية لإثارة الهواجس الأوروبية، ودفعها إلى التموضع العسكري والسياسي في منطقة شديدة الحساسية، كانت حتى وقت قريب خارج دائرة الاشتباك المباشر.

بهذه الحركة، نقل ترامب عبء المواجهة شمالاً من واشنطن إلى أوروبا، في لحظة كان يكرر فيها، بلا مواربة، أن الولايات المتحدة لن تستمر في دفع فاتورة أمن القارة العجوز. فبينما لا تزال أميركا المموّل الأكبر لحلف شمال الأطلسي، وجد الأوروبيون أنفسهم فجأة في واجهة الصراع، يواجهون روسيا في خاصرتها القطبية، ويراقبون تمدد الصين، من دون أن تطلق واشنطن رصاصة واحدة.

في هذا السياق، تبدو غرينلاند أقلّ أهمية من دورها الوظيفي. فهي لم تكن هدفاً نهائياً بقدر ما كانت طُعماً استراتيجياً أعاد خلط الأوراق داخل الناتو. ترامب، الذي يُتهم غالباً بالفوضوية والتهور، نجح مرة أخرى في فرض معادلة قاسية: أميركا تقرع الجرس، وأوروبا تنزل إلى الحلبة.

الأخطر في المشهد أن هذا التحوّل جرى من دون نقاش أوروبي داخلي حقيقي حول الكلفة السياسية والعسكرية، ومن دون مساءلة حول من يقود اللعبة ومن يجني ثمارها. فبينما تتمركز القوات الأوروبية في أقصى الشمال، تبقى واشنطن في موقع المخرج، تتحكّم بإيقاع التصعيد والتهدئة، وتلوّح بتمويل الناتو كلما دعت الحاجة.

غرينلاند، في المحصلة، ليست سوى عنوان، العنوان الحقيقي هو إعادة توزيع الأدوار داخل المعسكر الغربي، ودفع أوروبا إلى خطوط النار الأولى، فيما تحتفظ أميركا بحق القيادة من الخلف.

وإذا كان هذا هو النموذج الجديد للتحالفات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أدركت أوروبا أنها دخلت معركة ليست هي من اختار توقيتها ولا سقفها؟