Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 15, 2026
A A A
واشنطن في «حيرة استراتيجية»: إسقاط طهران ليس نزهة
الكاتب: يحيى دبوق

كتب يحيى دبوق في “الأخبار”:

واكبت الولايات المتحدة الاحتجاجات في الشارع الإيراني برفع سقف خطابها التهديدي تجاه الجمهورية الإسلامية؛ إذ بدا لصنّاع القرار في واشنطن، ابتداءً، أن الرهان على «الشارع» ربّما يكون مُجدِياً هذه المرّة، وهو ما يفسّر التصريحات العلنية العالية النبرة، والتي أوحت باقتراب وقوع تدخُّل مباشر أو ضربة استراتيجية حاسمة، تمهّد الطريق أمام الحَراك الداخلي للتعاظم. غير أن التهديد بخيارات عسكرية جاهزة، سرعان ما تحوّل إلى سلسلة إجراءات محدودة (لا تلغي إلى الآن احتمالات التدخُّل المتطرّف)، تشمل هجمات سيبرانية، ودعماً رمزياً للمحتجّين، والحسم بأن «العون آتٍ»، فضلاً عن مواصلة التهديد بضربات جوية انتقائية ما فتئت تفقد صدقيّتها مع مرور الوقت وتراجُع الاحتجاجات.

لكنّ الانكفاء النسبي عن السيناريوات المتطرفة، لا يعكس بالضرورة ضعفاً أميركيّاً، بقدْر ما يكشف عن الافتقاد إلى رؤية استراتيجية واضحة، والناتج من الكلفة العالية للخيارات المُتاحة، وعدم اليقين بأن هذه الأخيرة كفيلة بإحداث التغيير المطلوب في إيران. ويَطرح ذلك جملة تساؤلات جوهرية من مثل: هل تسعى واشنطن حقاً إلى إضعاف النظام الإيراني فقط، أم إلى إسقاطه؟ أم أنها ستكتفي باحتوائه من دون دفع الثمن الباهظ لمواجهة شاملة؟ علماً أن هناك مَن يذهب إلى تفسير التذبذب العلني في الخطاب الأميركي، على أنه غطاء للتخطيط لأفعال متطرّفة، لم تتّضح معالمها بعد.
على أن القدر المتيقّن ممّا هو مُعلَن ومُسرّب، يُظهر أن الفجوة بين خطاب أميركا وأفعالها، باتت أكثر وضوحاً ممّا كانت عليه في أيّ وقت مضى؛ إذ لم يَعُد السؤال يدور حول ما الذي ترغب فيه واشنطن – وهو بطبيعة الحال اجتثاث النظام الإيراني وإحلال آخر موالٍ لها مكانه -، بل حول قدرتها الفعلية على ترجمة تلك الرغبة إلى استراتيجية متماسكة قابلة للتطبيق، خصوصاً أن أيّ عمل كبير ضد إيران يستدعي سيناريوات متطرّفة ومتشابكة ولا يقينية، يتعذّر حصر تداعياتها في الداخل الإيراني نفسه، الأمر الذي يتطلّب، حتى من الإدارة الأميركية الحالية، «التمهّل» في التخطيط والتنفيذ.

وفي الأيام القليلة الماضية، شاعت في الولايات المتحدة كما في إسرائيل، تقديرات كثيرة راوحت بين توقّع العمل العسكري، والدعوة إلى استراتيجيات هجينة تدمج أدوات اقتصادية وسيبرانية وسياسية، أو خيارات بينهما، في ما يؤشّر إلى وجود إرادة قوية للتغيير لدى كلّ من واشنطن وتل أبيب. لكن في مقابل وضوح الإرادة، تبدو الثقة في القدرة على تحقيق التغيير موضع شكّ جدّي، وهو ما تعبّر عنه سلسلة تحليلات تقرّ صراحةً بعدم جدوى الخيارات العسكرية المباشرة. ومن ذلك، يمكن ذكر الآتي:
أولاً: يبرز شبه إقرار في أوساط النخبة والخبراء بأن «الولايات المتحدة لا تستطيع فعل ما فعلته في العراق»، في الحالة الإيرانية. ذلك أن الاختلاف الجوهري بين العراق وإيران، من حيث الجغرافيا والبنية الدفاعية المتشابكة و«الروح الوطنية المرتفعة»، وحجم السكان ومعظم توجهاتهم الدينية، كل ذلك يجعل أيّ تدخُّل ضدّ طهران أمراً غير واقعي عمليّاً.
ثانياً: يذهب أبرز التحليلات إلى التشكيك الصريح في فاعلية الضربات الجوية، إذ يشار مراراً إلى أن «القصف الجوي لم يُثبِت في التاريخ قدرته على إسقاط أنظمة».

ثالثاً: الاعتماد المتزايد على «مزيج هجين» من الأدوات غير العسكرية (كالعمليات السيبرانية، ودعم المحتجّين، والعقوبات الاقتصادية، والرهان على سيناريوات داخلية غير مؤكّدة)، لا يعكس سيطرة وتخطيطاً، بل ركوناً إلى عوامل خارجة عن نطاق التأثير الأميركي والإسرائيلي المباشر، وفي المقدّمة منها استمرار الحَراك الشعبي أو حدوث انقسامات داخل النخبة الإيرانية.
مع ذلك، وعلى الرغم من أن المؤشّرات الحالية ترجّح استبعاد الخيار العسكري المباشر ضدّ إيران، غير أن نفيه بالمطلق سيكون خطأً. فالحسابات الجيوسياسية قد تتغيّر بفعل عوامل طارئة، من مثل تصعيد غير متوقّع، أو حدث أمني كبير، أو حتى تحوُّل داخلي ما في طهران، يُفهم خطأً على أنه فرصة ذهبية. وإذا كانت موجة التهديدات الأميركية، وبالتبعية الإسرائيلية، تزايدت بشكل ملحوظ، إلى حدّ الإفراط، فإن هذا الخطاب بُني أساساً على رهان خاطئ مفاده أن التطوّرات الداخلية الإيرانية، من احتجاجات شعبية إلى انقسام نخبوي، ستتسبّب بظروف مؤاتية لانهيار النظام أو «تليينه»، من دون الحاجة إلى تدخّل مباشر. ومع مرور الوقت، اتّضح أن هذا الرهان لم يثمر، بل أسّس لتفاوت خطير بين مستوى التهديد، والقدرة الفعلية على تنفيذه.
على أن الأخطر مما تقدّم، أن المراهنة العلنية على «قرب سقوط النظام» أو «هشاشة الدولة الإيرانية» تخلق ضغطاً سياسيّاً ونفسيّاً على صانع القرار في واشنطن، من شأنه أن يدفعه، ربما، إلى اتّخاذ قرارات متهوّرة، كعملية عسكرية أو أمنية محدودة، ليس لأنها منطقية من الناحية العسكرية، بل لإضفاء نوع من «الصدقية»، ولو الجزئية، على الخطاب التهديدي الذي بدا مُفرطاً ابتداءً.