Beirut weather 9.1 ° C
تاريخ النشر January 13, 2026
A A A
الهرم الغذائي الأميركي الجديد… إنقلاب تاريخي يُثير نقاشاً عالمياً!
الكاتب: ندى عبد الرزاق - الديار

في خطوة غير مسبوقة منذ عقود، قلبت أحدث الإرشادات الغذائية الأميركية للأعوام 2025–2030 الهرم الغذائي رأسا على عقب، معلنة تحوّلا جذريا في الفلسفة الغذائية السائدة. فبدل القاعدة التقليدية القائمة على الحبوب والكربوهيدرات، بات الانتباه اليوم موجّها الى البروتينات والدهون الصحية والخضار، مع تقليص الاعتماد على السكريات والحبوب، في محاولة واضحة لتشجيع استهلاك “الأغذية الحقيقية” غير المعالجة، ومواجهة تصاعد معدلات السمنة والأمراض الفتاكة.

اختلاف الآراء “منطقي”!

لذلك، أشعل الهرم الغذائي الجديد، الذي كشفت عنه وزارة الصحة الأميركية ضمن التحديث الأخير للإرشادات الغذائية، حراكاً محتدماً في الدوائر العلمية والطبية، بعدما جاء مقلوبا مقارنة بالنماذج السابقة، واضعاً البروتينات ومنتجات الألبان والدهون، بما فيها المشبعة، في قمة الهرم، مقابل تراجع موقع الحبوب الكاملة إلى أسفله.

وقد روّج لهذا التحول وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي الابن، تحت شعار “العودة إلى الطعام الحقيقي”، مع تركيز لافت على البروتين والدهون، في خروج واضح عن الرسائل الغذائية التي سادت لعقود طويلة، بحسب تقرير نشره موقع VerywellHealth الصحي العالمي.

تصحيح ام تحريف المفاهيم؟

ورغم الأهداف المعلنة، لم يخلُ هذا التحديث من الانتقادات، إذ يرى عدد من اختصاصيي التغذية أن الإشكالية الأساسية لا تكمن فقط في فحوى الهرم الجديد، بل أيضا في مضمونه المرئي. فالتصميم يُصنف البروتين والفواكه والخضروات في مقام واحد من حيث الأهمية، دون رسم حدود واضحة للاستهلاك المتوازن بين المكونات، ما يفتح الباب أمام تأويلات غذائية مضللة.

ويشير خبراء إلى أن إدراج صورة دجاجة كاملة ضمن قسم البروتين امر مبهم، وقد يعطي الانطباع بأن الإفراط في البروتين هو الأمثل، رغم أن الإرشادات لا تدعو لذلك بشكل مباشر.

كذلك يحفز وضع الحبوب الكاملة في أسفل الهرم استيضاحات اخرى، إذ قد يُفهم على أنه تقليل من قيمتها الغذائية، على الرغم من عدم وجود دعوات رسمية صريحة بهذا الاتجاه. فالاشكال السابقة لطالما وضعت الحبوب في قاعدة الهرم، باعتبارها مصدرا رئيسياً للطاقة والألياف، ما يجعل هذا التحول البصري والرمزي محور نقاش واسع حول دقته وانعكاسه على وعي المستهلكين وسلوكهم الغذائي.

الغذاء المتميز رفيع النوعية

ومن هذا المنطلق، تكشف اختصاصية التغذية كاتيا قانصو لـ”الديار” أن: “الإرشادات الغذائية الأميركية الجديدة (Dietary Guidelines for Americans 2025–2030) أظهرت تغييرا ملحوظا في رسم “الهرم الغذائي” التقليدي، إذ بات تركيزها على الدهون الصحية والبروتينات عالية الجودة أعلى في ترتيب التغذية، مقارنة بنماذج سابقة كانت تضع الحبوب والكربوهيدرات في القاعدة. وفي بعض العروض الجديدة، يُنظر إلى الدهون الصحية، سواء من المصادر الحيوانية أو النباتية، على أنها من العناصر الأساسية في الوجبة اليومية، مع إبراز البروتينات ومنتجات الألبان كاملة الدسم، ضمن الجزء الأكبر من الشكل الغذائي”.

قيمة المأكولات الكاملة أكبر

وتفنّد قانصو الإيجابيات موضحة أن: “الدليل الجديد يسلط الضوء على الأطعمة الكاملة وغير المصنعة، إذ يشدد على تناول الأغذية القادمة من مصادر حقيقية، مثل اللحوم والأسماك والبيض والمكسرات والبذور والزيوت الصحية، بدلا من الأطعمة المعالجة والمكررة، ما يسهم في تقليل السعرات الحرارية الفارغة والمواد المضافة غير الصحية. كما يوصي بتحسين تناول البروتين عبر زيادة حضوره في كل وجبة من مصادر متنوعة، حيوانية ونباتية، الأمر الذي قد يساعد في دعم الكتلة العضلية، وتعزيز الشعور بالشبع والمساهمة في الحفاظ على الوزن”.

وتضيف: “كذلك يوسّع الدليل مفهوم الدهون الصحية، حيث أصبح هناك تقبّل أكبر للدهون الآتية من الأغذية الكاملة، مثل زيت الزيتون والمكسرات وبعض منتجات الألبان كاملة الدسم والأسماك، بدل الخوف المفرط من الدهون بشكل عام “. وتضيف “أن التعليمات الجديدة تتسم بتبسيط الرسالة الغذائية، إذ استُلهمت من شعار “تناول الطعام الحقيقي”، ما يجعلها أقرب إلى الفهم الشعبي، وأسهل من الهرم الغذائي السابق الذي اتسم بالتعقيد”.

عواقب غير مرغوبة!

وتبين قانصو “وجود غموض يحيط بتعريف “الدهون الصحية”، إذ لا تقدم الإرشادات توضيحا دقيقا لها، ما يفتح المجال أمام تفسيرات متباينة، من بينها زيادة تناول الدهون المشبعة القادمة من اللحوم كاملة الدسم، على الرغم من التحذيرات العلمية التقليدية المرتبطة بها. إضافة الى مخاوف من احتمال ارتفاع استهلاك الدهون المشبعة، إذ حذّر بعض خبراء الصحة، مثل جمعية القلب الأميركية، من أن إبراز الدهون الحيوانية قد يؤدي إلى زيادة تناول هذا النوع من الدهون، المرتبط بارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب”.

وتضيف “كما أن النماذج الجديدة قد تقلل من التركيز على الألياف، نتيجة تقديم البروتينات والدهون على الخضروات والبقوليات والحبوب الكاملة في ترتيب الأولويات، ما قد يهمّش الدور الوقائي للألياف الغنية بمضادات الأكسدة، المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي. كذلك، هذا التحول من نماذج تعتمد الحصص والكربوهيدرات الأساسية، إلى نموذج يعتمد على الدهون قد يربك بعض المستهلكين، الذين اعتادوا على توصيات غذائية سابقة”.

تصويب لا تضليل!

وتؤكد: “تتمثل أسباب اتخاذ هذه الخطوة في تصحيح ما يُعدّ فرضيات متقادمة، إذ يرى صانعو التوجيهات أن التحذير القاطع من جميع أنواع الدهون، لا سيما الحيوانية منها، أسهم في التقليل من القيمة الغذائية للبروتينات عالية الجودة والدهون الطبيعية لدى الناس، في مقابل زيادة تناول الكربوهيدرات المصنعة. كما أن التركيز بات منصبا على الأغذية الكاملة بدل السكريات والمواد الصناعية، بهدف تشجيع الأميركيين على أكل أطعمة غير معالجة وخالية من السكر المضاف والملح المفرط والزيوت المهدرجة، وهي عناصر تساهم في السمنة والسكري وأمراض القلب”.

وتفصّل: “تستند هذه المراجعة إلى أحدث الأدلة العلمية، إذ تعكس دراسات تربط بعض أنماط الحميات الغنية بالبروتين، أو المعتمدة على الأغذية الكاملة الأقل، معالجة بفوائد محتملة على صعيد التوازن الهرموني، وتعزيز الشبع والتحكم بالوزن. مما يعني ان تبني هذه التوجيهات يأتي في إطار السياسة الصحية الوطنية، كونها تُستخدم في برامج المدارس والمستشفيات وبرامج الصحة العامة، ما يجعل تعديلها انعكاسا لتوجهات صحية وسياسية جديدة في الولايات المتحدة الأميركية”.

قلب الهرم “مقنع”!

وتقول: “اما بالنسبة لتغيير الهرم الغذائي، فهناك توجّه عالمي حديث، لا سيما لدى بعض الجهات البحثية، لإعادة النظر في الهرم الغذائي التقليدي، الذي كان يعتمد النشويات أساسا ويقلّل من شأن الدهون الحيوانية. من جهة اخرى، برزت دعوة إلى إعادة الاعتبار للدهون الطبيعية، مثل السمن البلدي والزبدة والدهون المستخرجة من اللحوم وزيت جوز الهند الطبيعي. ويستند هذا التوجّه إلى أبحاث تشير إلى أن الدهون الحيوانية وحدها، لا تُعدّ سبباً مباشرا لأمراض القلب، بل إن الأطعمة المعالجة والسكريات والزيوت النباتية المهدرجة، تشكّل العامل الأساسي في ذلك”.

وتشير الى ان “هذه الدراسات تؤكد ايضا أن الجسم والدماغ بحاجة إلى الدهون المشبعة لدعم نمو الأطفال، وتنظيم الهرمونات، وصحة الجهاز العصبي، والمساعدة على امتصاص الفيتامينات”.

الأجيال مهددة!

وعند أي تغيير يطال فئة الصغار، تتكاثر التساؤلات حول إذا كان هذا التبديل مفيدا للأطفال، ولذلك توضح قانصو أن: “دراسات عدة أظهرت وجود نقص في الدهون الجيدة لدى بعض الأطفال، وهو ما قد يؤدي إلى مشكلات مثل ضعف التركيز، واضطرابات في النمو، ومشكلات سلوكية. فضلا عن أن بعض الأبحاث تربط بين انخفاض استهلاك الدهون الحيوانية وارتفاع مستوى التريغليسيريد، أي الدهون الثلاثية، إلا أن هذا الأمر يختلف باختلاف النظام الغذائي المتكامل المعتمد، وليس وفق مصدر الدهون وحده”.

تكمن أهمية هذه الخطوة، بحسب قانصو، “في تصحيح مفاهيم مغلوطة كانت سائدة منذ سنوات، وفي توعية الأهالي بعدم حرمان أبنائهم من مصادر الدهون الطبيعية، إلى جانب التركيز على جودة الدهون أكثر من التركيز على كميتها”.