Beirut weather 11.32 ° C
تاريخ النشر January 12, 2026
A A A
«الفجوة المالية» باقية والقانون غائب…!
الكاتب: أحمد بهجة - البناء

لم تتبلور بعد، وربما لن تتبلور، معالم الثقة بما سُمّيَ مشروع قانون “الانتظام المالي واسترداد الودائع” الذي أقرّه مجلس الوزراء الأسبوع الماضي وتمّت إحالته إلى مجلس النواب، على أساس أنّ إقراره من شأنه معالجة الأزمة المالية الحادّة، التي تكبّل الاقتصاد الوطني منذ 6 سنوات، بشكل ظاهري، وربما بدأت تكبّله قبل ذلك بسنوات ولكن بشكل غير معلن.
وقد صدرت مؤشرات أولية عن أكثر من جهة فاعلة ومؤثرة، تفيد بأنّ مشروع القانون من الصعب أن يرى النور قريباً، على الأقلّ ليس قبل موعد الانتخابات النيابية المقرّرة في شهر أيار المقبل، أولاً لأنّ النواب لن يغامروا بإقرار قانون غير شعبي في هذا الوقت، وأيضاً لأنّ الأمر لا يقتصر على النواب بل هناك اعتراضات كثيرة على المشروع من خارج المجلس، حيث يعبّر المودعون وجمعية المصارف ومصرف لبنان عن اعتراضهم على المشروع، وطبعاً الاعتراض هنا لا يعني أنّ الموقف موحد بين هذه الأطراف، بل على العكس تماماً، المواقف متباعدة ومتناقضة إلى أقصى الحدود…
*المودعون يعترضون لأنهم يريدون أموالهم كاملة كما أوْدعوها في المصارف، وهذا طبعاً حقّ لهم مكفول بالقانون والدستور.
*جمعية المصارف تعترض لأنّ أصحاب المصارف لا يريدون أن يتحمّلوا أيّ جزء من تكلفة الحلّ، بل يريدون من الدولة أن تتحمّل كلّ العبء، وأن تقول لهم “عفا الله عما مضى” وتعالوا نبدأ من جديد…!
*مصرف لبنان أيضاً يريد تحميل الدولة كلّ الأعباء، وهذا واضح جداً في كلام الحاكم كريم سعيْد خلال مؤتمره الصحافي الأسبوع الماضي، مع أنه وقع في مغالطة صريحة حين طالب الدولة بأموال الدعم بحجة أنّ الدعم فرضته الحكومة، لكنه لم يوضح عن أيّ دعم يتحدث، لأنّ دعم الكهرباء والمحروقات والطحين، ودعم الليرة، تمّ منذ تسعينيات القرن الماضي بقرار من الحكومة، وهنا الحاكم معه حقّ، أما الدعم الذي حصل بعد الانهيار الكبير في 2019 فهو أتى بقرار من الحاكم السابق للمصرف المركزي رياض سلامة الذي أصدر تعميماً في تشرين الأول 2019 يقول فيه للمستوردين لا تذهبوا إلى السوق السوداء بل تعالوا إليّ وأنا أعطيكم الدولارات التي تحتاجونها، وهنا لم يكن سعيْد على حقّ أبداً، لأنّ المصرف المركزي شارك الدولة في تبديد أموال المودعين.
أما الاعتراض الأهمّ على مشروع قانون “الانتظام المالي” فـ نسمعه من عموم الناس على اختلاف انتماءاتهم، ومفاده أنّ الدولة حتى تكون دولة بالفعل يجب أن توفر الحقوق لكلّ الناس وليس لفئة قليلة منهم. هذا من حيث المبدأ، لأنّ الدولة هي لكلّ الناس، ومن واجبها توفير الحقوق لكلّ الناس بالتساوي، لكن الحقوق تبدأ ولا تنتهي، ولا تقتصر فقط على المودعين، لانّ كلّ المواطنين، بمن فيهم المودعون، لهم الحق في الحصول على الكهرباء والمياه النظيفة والبيئة السليمة والطرقات والاتصالات وسائر الخدمات الأساسية… وبالتالي كيف يمكن تحميل الدولة 50 مليار دولار دين جديد من خلال إصدار شهادات إيداع أو سندات للمودعين على فترات تصل إلى عشرين سنة، في حين يبقى الاقتصاد مكربجاً ومكبّلاً ولا يدور دورته بشكل طبيعي من أجل تحقيق النمو المطلوب!
طبعاً من حق المودعين الحصول على أموالهم وجنى أعمارهم، لكنهم يرفضون مشروع القانون لأنه لا يعيد الأموال، بل يجعلها تتآكل مع الوقت، وهي تتآكل بالفعل منذ ست سنوات، حيث بلغت الودائع بالدولار قبل تشرين الأول 2019 نحو 125 مليار دولار فيما هي اليوم بحدود 83 مليار دولار، أيّ أنها انخفضت نحو 38 مليار دولار بفعل سحوبات متتالية، إما بالشيكات التي كانت تُصرف بأقلّ من قيمتها بكثير وإما من خلال تعاميم مصرف لبنان التي تعطي المودع من حسابه بالقطارة خرجيّته الشهرية، فيما الودائع بالليرة اللبنانية (والمقدّرة عام 2019 بحوالى 60 مليار دولار) فلا أحد يأتي على ذكرها أبداً، كأنّ المودعين بالليرة أتوا من كوكب آخر وليسوا مواطنين لبنانيين متساوين مع غيرهم بالحقوق والواجبات.
أما الحلّ الحقيقي لهذه المعضلة الكبيرة فهو بالتطبيق الحرفي والمتشدّد للقانون، لأنّ وجودها في الأساس كان بسبب مخالفات قانونية كبيرة ارتكبتها المصارف بغطاء من المصرف المركزي، وعلى مرأى ومسمع من الدولة بكلّ أركانها وأجهزتها! إذ كيف يمكن لمودع أن ينتظر عشرين عاماً لكي يحصل على أمواله فيما صاحب المصرف أو عضو مجلس الإدارة أو المدير يتنعّم بأمواله المكدّسة في حسابات خارجية من دون حسيب أو رقيب، علماً أنّ قانون النقد والتسليف واضح جداً في هذا المجال، وينص على أنّ أصحاب المصارف وأعضاء مجالس الإدارة والمدراء المخوّلين بالتوقيع يتحمّلون بأموالهم الخاصة المسؤولية القانونية الكاملة عن إعادة الأموال لأصحابها.
في الخلاصة… من دون تطبيق القانون فإنّ الفجوة المالية باقية، ولا يمكن الحديث عن استعادة الثقة، لأن لا أحد اليوم يمكنه القول إنّ هناك ثقة بالمصارف؟ وستبقى هذه الثقة غائبة إلى أجل طويل حتى لو تمّت إعادة الودائع، لأنّ بناء الثقة يحتاج إلى مسار طويل وإجراءات كثيرة لم نلمس منها شيئاً حتى الآن…!