Beirut weather 11.32 ° C
تاريخ النشر January 12, 2026
A A A
هل ينسف ترامب استراتيجية الأمن القومي؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– في استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنت قبل شهر تقريباً تحولات نوعية في المقاربة الأميركية لشروط استخدام القوة العسكرية، حيث يجري اعتبار المشاركة في الحرب الإسرائيلية على إيران آخر أشكال التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، الذي تقول الوثيقة إنه لم يعد أولوية أميركية، وقد بات خالياً من أي مصدر لتهديد ثوابت الأمن القومي الأميركي، سواء ما يتصل بأمن الطاقة أو أمن “إسرائيل”، ليشكل هذا التوصيف نقطة تقاطع مع جوهر الوثيقة القائم على نظرية أميركا أولاً ومبدأ مونرو الذي يردّ الاعتبار لمفهوم الأمن القوميّ بصفته أمن الجوار الأميركي من أميركا اللاتينيّة إلى غرينلاند.

– في هذه الاستراتيجيّة الجديدة مراجعة واضحة لمبدأ التدخل لفرض الديمقراطية الذي انتهجته أغلب الإدارات الأميركية السابقة الجمهورية والديمقراطية، التي اتخذت من الديمقراطية وحقوق الإنسان ذريعة لإسقاط الأنظمة، وهو ما تنتقده الوثيقة الجديدة بوضوح، وتؤكد على انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من استخدام القوة لفرض تغيير نظام الحكم في أي بلد خارج القارة الأميركية، حيث قد يكون ذلك ضروريًا لفرض الهيمنة الأميركية التي تعتبرها الوثيقة هدفاً علنياً لاستخدام القوة في الجوار الأميركي، أو قد يكون ضرورياً في محاربة المخدرات، أو في السيطرة على الموارد، ومنع الصين من التمدّد، وكلها مبررات وأهداف واردة في استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة في ما يخصّ استخدام القوة في القارة الأميركيّة وفقاً لمبدأ مونرو الذي صار اسمه مونرو – ترامب، وقد شكلت الأساس في مبررات استخدام القوة ضد فنزويلا.

– في الوثيقة امتداح أشكال أنظمة الحكم التي تقول إنها تنبثق من ثقافات الأمم الأخرى، ودعوة للتخلّي عن مزاعم وجود نموذج للحكم قابل للتصدير، ويصل الكلام في استراتيجية الأمن القومي إلى القول إن أنظمة الحكم الملكي وغياب الانتخابات يجب ألا تكون سبباً لانتقادات أميركيّة لدول تجد أن استقرارها وأن تقاليدها وثقافتها تنسجم مع هذا الشكل من نظام الحكم، وبذلك تصبح كل حروب أميركا التي شنت تحت عنوان تعميم الديمقراطية موضع إدانة بالنسبة لإدارة ترامب وفق الوثيقة، فالحرب لن تخوضها أميركا خارج القارة الأميركية إلا في حال تعرّض الأمن القومي الأميركي وثوابته للتهديد، وهو ما تقول الاستراتيجية إنه غير قائم في الشرق الأوسط، حيث الأولويّة للتهدئة والاستقرار.

– في التعامل مع التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها إيران على خلفية ارتفاع أسعار صرف العملات الأجنبية، وتحوّلت إلى مواجهات مع الأجهزة الأمنية الإيرانية، يستعيد ترامب خطاب الحرب، ناسفاً استراتيجية الأمن القومي الأميركي، وإيران ليست في القارة الأميركية كي يشملها مبدأ مونرو – ترامب، ووفق الاستراتيجية المنشورة منذ شهر لم تعُد بعد الضربة الأميركية في الصيف مصدر تهديد لأمن أميركا ولا لأمن “إسرائيل”، وعلى كل لم يرتبط الكلام عن الحرب مجدداً بالإشارة إلى تهديد الأمن القوميّ، بل لتقديم المؤازرة للمعارضة الإيرانية لتغيير النظام، أو لمواجهة النظام بصورة أفضل، وهو بالضبط ما انتقدته استراتيجية الأمن القومي في السياسات السابقة، فهل ينسف ترامب استراتيجيّة الأمن القومي الجديدة، ويعود للحرب خارج القارة الأميركية رغم عدم وجود تهديد جدّي لثوابت الأمن القومي الأميركي، التي تتمثل في الشرق الأوسط، كما تقول الاستراتيجية بأمن الطاقة وأمن “إسرائيل”، وهذا النوع من التهديد غير موجود وفقاً للاستراتيجية الصادرة قبل شهر.

– اذا صحّت تصريحات ترامب الأخيرة التي تسجل تراجعاً عن التهديد بالحرب وتتحدّث عن دعم سيبراني للمعارضة وعن فرض عقوبات على المسؤولين المعنيين بالأمن، يكون الاحتكام لاستراتيجية الأمن القومي قد تغلّب على نزوات ترامب أو رغبات بنيامين نتنياهو، وإذا ذهب ترامب إلى الضربات العسكرية التي يعلم أنها سوف تشعل حرباً، يعرف كيف يبدأها ولن يعرف كيف تنتهي، ربما يكون قد فعل ما هو أعظم من مجرد إسقاط استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي تستهدف ما هو أكثر من السعي لتحقيق أرباح، بقدر ما تسعى لتفادي المزيد من الخسائر، والخسائر هنا قد تكون لها تداعيات يصعب حصرها في وضع أميركي حرج.

– في العبرة التاريخيّة مثال فرنسي لأميركا، عندما نجت فرنسا من مصير بريطانيا التي فقدت مكانتها العالميّة بعد العدوان الثلاثيّ على مصر عام 1956، وذلك بفضل سيطرة فرنسا على الجزائر، لكن الجزائر كانت مدخل إنهاء مكانة فرنسا عندما لم تُحسن فهم الدرس البريطاني وإعلان الانسحاب الطوعيّ والاعتراف باستقلال الجزائر.