Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر January 11, 2026
A A A
عن ابن بقاعكفرا الذي احب زغرتا حتى الرمق الاخير
الكاتب: موقع المرده

في زحمة الأيام التي تعبر سريعا، يمرّ بعض الناس بهدوء، لكن أثرهم يبقى طول العمر، ثابتاً كجذور شجرة عتيقة. أبو حبيب واحد من هؤلاء.

نزل من بقاعكفرا الى بيروت حاملاً معه تعب الجبل وصدق أهله، وجاء الى زغرتا التي باتت مقراً للقلب والحياة بعد مجزرة اهدن التي ادت الى استشهاد صديقه الوزير والنائب طوني فرنجيه وطفلته و٢٨ اهدنياً، لم تكن زغرتا محطة عابرة، بل صارت البلدة التي فيها عاش وأعطاها من عمره ووفائه، فأعطته محبتها واحترام ناسها.
من اكبر تجار السيارات كان، نعم، لكن تجارته الحقيقية كانت بالثقة والكلمة والالتزام، ولذلك ما من أحد في زغرتا إلا وقد عرفه، وما من أحد إلا وتحدّث عن طيبته ونبله ووفائه سواء عبر التعامل معه مالياً او اجتماعياً.
كان وفيّاً لنهج مدرسة الرئيس سليمان فرنجيه وتسلم مسؤولية منطقة البترون لفترة طويلة خلال الاحداث، لم يكن عمله بالصخب ولا بالشعارات، بل بالموقف الثابت، والوفاء الصامت الذي لا يتبدّل مع الرياح. هكذا عاش، وهكذا أراد أن يُعرف.
لم ترحمه الحياة كثيراً، أحبطته بماله، فهو الميسور الحال الذي قست عليه الايام بعد عز وثروة فتحمل قسوة الأيام بإيمان كبير بربه، ثم أصابته في القلب، يوم خطفت منه فلذة كبده في المهجر، بظروف غامضة لا تزال وجعاً مفتوحاً، وجعٌ حمله بصمت الرجال، ولم يسمح له أن يكسر إنسانيته ولا أن يبدّل طبعه.
كبر أولاده في زغرتا، وتزوّج معظمهم، وأسّسوا عائلات فيها، فصار احفاد أبو حبيب ايضاً زغرتاويي الهوى والهوية وبات هو الجد الذي يُركن اليه في الشدائد ومصدر النصائح والتوجيهات.
مارس شعائره الدينية طوال حياته في كنيسة مار يوسف في العبي، حيث تعلّم الصبر، وحيث كان يجد سكينته، وحيث ودّعته زغرتا اليوم كما يليق بالرجال الطيبين: بمحبة صادقة ودمعة صامتة.
شيّعته زغرتا ثم أعادته إلى بقاعكفرا، إلى مسقط الرأس، ليُدفن حيث بدأت الحكاية.
بين البداية والنهاية، مسافة عمر مليئة بالتعب، لكنها غنية بالوفاء والاحترام.
رحل أبو حبيب، لكن قصته باقية.
باقية في ذاكرة زغرتا، في بيوت أولاده، في دعاء الكنيسة، وفي كل حديث طيب يُقال عنه. رحمه الله، وعزّى قلوب محبّيه، وجعل تعبه راحة، وذكراه نوراً لا ينطفئ.
من موقع المرده كل التعازي لعائلته ولمحبيه ولاحفاده وبالاخص حفيدته ميري جو فرنجيه الذي يعيش موقع المرده في صلب اهتماماتها.