Beirut weather 18.58 ° C
تاريخ النشر January 10, 2026
A A A
إيران احتواء الأزمة وقمع التخريب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

في المعلومات المؤكدة من مصادر متطابقة من إيران أن حجم الاحتجاجات الراهنة من زاوية حجم الزخم الشعبيّ لا يزال دون مستوى ما بلغته أيام ما عرف بالثورة الخضراء عام 2009، وكذلك أقلّ مما شهدته إيران في ما عرف بأزمة مهسا أميني عام 2022، وبالخبرة التي امتلكتها إيران سياسياً وأمنياً في كيفية التعامل مع احتجاجي 2009 2010 واحتجاجات 2022 2023، لا تزال مؤهلة للتعامل مع احتجاجات امتدّت لشهور طويلة وشهدت مشاركات حاشدة شعبياً، وعرفت سقوفاً سياسية مباشرة مرتبطة بالنظام السياسي وهويته ومرجعياته، رغم استفادتها من الوضع الاقتصادي الذي لم يكن في الواجهة في المرّتين.

في المرّتين نجح النظام الإسلامي في إيران باحتواء الأزمة من جهة بإجراءات انفتاح وحوار وتلبية مطالب، ومن جهة مقابلة نجح بقمع المجموعات التخريبية التي لم تكن منفصلة عن استثمار خارجي يبدأ في واشنطن ولا ينتهي في تل أبيب، وقد كان محورياً الدور البارز للمال والإعلام العربي والاستخبارات التابعة لدول الجوار العربي دوراً حاسماً في إخفاء التدخل الأميركي والإسرائيلي الذي يشكل استفزازاً للوطنية الإيرانية. وهذا العامل يغيب بوضوح هذه المرة، حيث تتلقى إيران رسائل عربية تؤكد الحرص على الاستقرار في إيران ورفض مشاريع إدخالها في الفوضى، وتقول إن أمن المنطقة مترابط، وترصد طهران وفقاً لمصادر موثوقة غياب التمويل العربي عن الجماعات التي كانت تدعمها تقليدياً لتغذية الاحتجاجات، وذلك يعود وفقاً لتقدير المصادر الإيرانية إلى نتائج الحرب الأخيرة ومخاطر اندلاعها مجدداً على الأمن الإقليمي لأن ضبطها سيكون مستحيلاً، وحصر تداعياتها على الأمن الإقليمي والقواعد الاميركية في المنطقة وسوق النفط سوف يكون خارج نطاق السيطرة، والتغوّل الإسرائيلي في المنطقة والتهديدات التي تستشعرها دول الإقليم منذ قصف الدوحة غيّرت في الكثير من حسابات ومفاهيم الأمن لدى حكومات الخليج عموماً، والسعودية خصوصاً.

تقول المعلومات الواردة من طهران إن وجود رئيس إصلاحي على رأس مؤسسة الحكم يمثل عاملاً ثانياً حاسماً يُضاف إلى تبدل الموقف العربي، في تخفيض منسوب العمق السياسي لمشروع الانقلاب المدعوم من أميركا و”إسرائيل”، ورغم وجود تيارات إسلامية متطرفة مناوئة لحكم الرئيس مسعود بزشكيان، يبقى الجسم الإصلاحي عموماً خارج إطار الحركة الاحتجاجية، وغياب المكون الإصلاحي مهم جداً، لأن فعالية التصعيد تتوقف على قيادة منظمة ذات أفق سياسي يملك قدرة التحرّك ضمن مؤسسات النظام الإعلامية والسياسية، والغياب يجعل الجماعات المنظمة المرتبطة بواشنطن وتل أبيب مكشوفة، سواء عبر حراكها التخريبيّ في الشارع أو عبر نشاطها التحشيدي لتوسيع نطاق الحراك، وعمل الأجهزة الأمنية الإيرانية ضد هذه الجماعات يملك مشروعية كافية.

تؤكد المصادر الموثوقة أن الإمام علي الخامنئي أشرف شخصياً على الحوارات التي جرت مع قيادة البازار التي امتدح تاريخها إلى جانب الثورة الإسلامية علناً مؤكداً على مشروعيّة مطالبها. وتعتقد المصادر أن اتفاقاً قد تمّ مع البازار سوف تبدأ نتائجه بالظهور، وأن الطلاب وتجار البازار هما الطرفان اللذان تحرص القيادة الإيرانية على احتواء الصراع معهما عبر الحوار والاستجابة لما يمكن من مطالب كل منهما، وتضيف أن الشق السياسيّ من المطالب موضع نظر أيضاً، ولا يعتبر من المحرّمات خصوصاً ما يتصل بديمقراطية استخدام وسائل الإعلام وحرية التعبير، وإدخال بعض التعديلات على تنظيم الحياة السياسية.

إيران التي نجحت بإفشال الحرب الأميركية الإسرائيلية قبل شهور، وخرجت بإرادتها السياسية المستقلة تؤكد عدم تخلّيها عن حقها بتخصيب اليورانيوم، ساخرة من طلب الاستسلام غير المشروط الذي نادى به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تدرك أنها أحبطت مشروعاً جدياً لإسقاط نظامها الإسلامي بقوة وحدتها الوطنية التي ظهرت بأبهى صورها، ولذلك فهي مستعدّة لتقديم كل ما يلزم من استجابة وإبداء أعلى درجات المرونة لعدم تعريض هذه الوحدة للخطر، وهي تعلم أن ما يجري هو عودة الحرب بوجه جديد، رغم وجاهة الأسباب المحلية الاقتصادية وغير الاقتصادية، والثقة كبيرة بأن النهاية سوف تكون عودة الاستقرار وإسقاط الانقلاب المدعوم، الذي يبدو أن بقايا نظام الشاه تشكل اليوم قوة مركزية فيه، بعدما استنفدت الجماعات الأخرى فرصها في مرات سابقة.

تكاد تكون معركة إيران معركة العالم، باعتبار من يسيطر على إيران يُمسك بعقد مواصلات آسيا، وهي عقد التجارة والطاقة لروسيا والصين، ومع إيران تكون هناك فرصة لعالم جديد من البحر المتوسط والبحر الأحمر إلى القطب الشمالي وبحر الصين والمحيط الهندي، وبدون إيران تعود الصين دولة شرق أقصى وتعود روسيا دولة شمال أقصى، ولذلك يتابع العالم كله ما يجري في إيران، ويسعى للتأثير عليه وفقاً للضفة التي يقف عليها في الصراع على هوية العالم الجديد، ومهما تلبس ثوب الحرية بعض رجال وسيدات الناتو الناطقين باللغة العربية في الدعوة لمساندة الانقلاب المدعوم في إيران فهم خدم عبيد أذلاء في مشروع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية المتوحش.