Beirut weather 16.17 ° C
تاريخ النشر January 3, 2026
A A A
«فجوة سياسية» عميقة تواجه تمرير «الفجوة المالية»
الكاتب: حسين زلغوط - اللواء

يبدو أنّ ما أقرّته الحكومة تحت عنوان «قانون الفجوة المالية» فتح باباً واسعاً من الجدل، لا يقتصر على الأرقام والحسابات، بل يتعدّاه إلى عمق النظام السياسي والمالي في لبنان، ويعيد طرح سؤال جوهري: هل الخلاف قائم فعلاً حول كيفية توزيع الخسائر، أم أنه تعبير جديد عن صراع الصلاحيات والمقاربات بين الحكومة ومجلس النواب، وبين القوى السياسية نفسها؟
منذ اللحظة الأولى لإقرار الحكومة مشروع القانون، برز اعتراض واضح من رئيس مجلس النواب نبيه بري ومن قوى سياسية وازنة، رأت في الصيغة المطروحة محاولة لفرض وقائع مالية واجتماعية كبرى من دون توافق سياسي شامل أو نقاش نيابي معمّق.
هذا الاعتراض لم يكن تقنياً فقط، بل حمل أبعاداً سياسية ودستورية، ما جعل مصير القانون في مجلس النواب موضع شك حقيقي، لا بل إن هناك من يؤكد استحالة مروره في البرلمان بصيغته الحكومية الحالية.
فقانون «الفجوة المالية»، كما طرحته الحكومة، يهدف إلى تحديد حجم الخسائر المتراكمة في القطاع المالي والمصرفي، وتوزيعها بين الدولة، مصرف لبنان، المصارف، والمودعين، ضمن إطار يُفترض أن يشكّل مدخلاً أساسياً لأي خطة تعافٍ مالي شاملة. غير أنّ الإشكالية الأساسية تكمن في أن هذا التوزيع، وفق معارضي القانون، جاء منحازاً ومفتقراً إلى العدالة، ويحمّل شريحة واسعة من المودعين العبء الأكبر، في حين يعفي الدولة والقطاع المصرفي من تحمّل مسؤولياتهما التاريخية.
في المقابل، ترى الحكومة أن إقرار القانون خطوة لا مفر منها، وأن أي تأخيرا إضافيا في الاعتراف بحجم الفجوة المالية سيؤدي إلى تعميق الانهيار، وإلى مزيد من الفوضى في السياسات النقدية والمالية. وتؤكد أن المشروع لا يشكّل حكماً نهائياً، بل إطاراً عاماً قابلاً للنقاش والتعديل داخل مجلس النواب كما أعلن أكثر من مرة الرئيس نواف سلام، وأن تحميله أبعاداً سياسية مبالغ فيها يعرقل الحلول بدل أن يسهّلها.
لكن موقف رئيس مجلس النواب جاء حاسماً في رفض تمرير القانون بصيغته الحالية، معتبراً أن الحكومة لا يمكنها أن تمسّ حقوق المواطنين وأموالهم، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع. ويذهب معارضو المشروع إلى أبعد من ذلك، معتبرين أنّ القانون يحاول «تشريع الخسائر» من دون محاسبة، ويقفز فوق سؤال أساسي: من تسبّب بالانهيار، ومن يجب أن يدفع الثمن؟
هذا الانقسام يعكس في جوهره فجوة سياسية عميقة، تتجاوز العناوين المالية، فالقوى المعترضة ترى أن الحكومة تحاول تقديم «وصفة جاهزة» تحت ضغط الوقت والالتزامات الخارجية لا سيما صندوق النقد الدولي، من دون مراعاة التوازنات الداخلية ولا الحساسية الاجتماعية. في حين تعتبر قوى أخرى أن الاعتراضات تخفي رغبة في تأجيل الحلول، والإبقاء على الواقع القائم الذي يستفيد منه أصحاب النفوذ والقدرة على الوصول إلى أموالهم، بينما يبقى المودع العادي الحلقة الأضعف.
وفي خضم هذا السجال، يبرز مجلس النواب كساحة مواجهة أساسية، فإقرار القانون يتطلب أكثر من مجرد أكثرية عددية، يحتاج إلى غطاء سياسي واسع، وإلى تعديلات جوهرية تطمئن المعترضين، وخصوصاً في ما يتعلق بحماية صغار ومتوسطي المودعين، وتحديد مسؤوليات واضحة للدولة والمصارف. من دون ذلك، يصعب تخيّل مرور القانون بسلاسة، مهما كانت الضغوط.
وأمام هذا الواقع بدأت تطرح سيناريوهات متعددة منها: الأول يتمثل في إدخال تعديلات عميقة على المشروع، تجعله أقرب إلى تسوية سياسية – مالية، تسمح بتمريره في المجلس مع حفظ ماء وجه الأطراف كافة.
الثاني هو تجميد المشروع أو إعادته إلى الحكومة لإعادة صياغته، ما يعني عملياً تأخير أي تقدّم في ملف التعافي. أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في تحويل القانون إلى مادة اشتباك سياسي مفتوح، يُستخدم في الصراع الداخلي، ويؤدي إلى شلل إضافي في المؤسسات.
لكن في كل الأحوال، يبدو واضحاً أن أزمة الفجوة المالية لا يمكن فصلها عن الفجوة السياسية. فغياب الثقة بين السلطة والمواطنين، وبين المؤسسات نفسها، يجعل أي مشروع إصلاحي عرضة للتشكيك والرفض، ومن دون مقاربة شاملة تقوم على الشفافية والمحاسبة والعدالة الاجتماعية، سيبقى أي قانون، مهما حسنت نواياه، مهدّداً بالسقوط في متاهة الخلافات.
والسؤال المطروح اليوم ليس فقط ما إذا كان قانون الفجوة المالية سيُقرّ في مجلس النواب، بل بأي ثمن سياسي واجتماعي. فإما أن يشكّل خطوة أولى نحو معالجة جدّية للأزمة، وإما أن يتحوّل إلى عنوان جديد لفشل الدولة في إدارة واحدة من أخطر أزماتها. وبين هذين الخيارين، يقف اللبنانيون مجدّداً أمام اختبار الثقة، في نظام لم يعد يحتمل مزيداً من الفجوات، لا المالية ولا السياسية.