Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر January 3, 2026
A A A
لبنان في المنطقة الرمادية.. أمن بلا ضمانات ولا هامش مناورة
الكاتب: أنطوان الأسمر

 

كتب أنطوان الأسمر في “اللواء”

يعيش لبنان لحظة سياسية – أمنية ملتبسة، تُدار فيها المخاطر بعقلية المُداراة لا بعقلية الاستشراف. فالمشهد العام لا يوحي بتوازن دقيق بقدر ما يكشف عن تراكب هشّ بين خطابات متناقضة: في الداخل، لغة تطمين وتهدئة تكاد تكون ضرورة نفسية واجتماعية لامتصاص أي مسببات لانفجار داخلي. وفي الخارج، ولا سيما من الجبهة الإسرائيلية، خطاب تصعيدي صاخب يتعمّد رفع مستوى القلق وإبقاء البلد تحت ضغط دائم. هذا التوازي لا يعكس اختلافاً في القراءة فحسب، بل يفضح غياب مرجعية واحدة لإدارة الخطر الوجودي الذي يتهدّد الدولة.
التطمينات الرسمية الداخلية، رغم أهميتها في ضبط الإيقاع الداخلي، تبدو أقرب إلى ممارسة سياسية اضطرارية منها إلى تعبير عن ثقة حقيقية بالمسار المقبل. فهي لا تستند إلى شبكة أمان دولية واضحة، ولا إلى توازن ردعي مكتمل الأركان، بل تقوم على فرضية أن لا مصلحة دولية آنية في إشعال حرب شاملة. هذه الفرضية، إن كانت واقعية جزئياً، تبقى هشّة لأنها مرهونة بتقلّبات الإقليم وحسابات القوى الكبرى، لا بقدرة لبنان الذاتية على فرض الاستقرار.
في المقابل، تعتمد إسرائيل استراتيجية مختلفة تماماً، قوامها إدارة التوتر لا احتواؤه. فرفع سقف التهديد، والإيحاء بالجاهزية العسكرية، والتلميح إلى غطاء أميركي لأي قرار حربيّ، ليست عناصر معزولة، بل أدوات ضغط متكاملة تهدف إلى فرض معادلة جديدة: إما قبول وقائع أمنية وسياسية جديدة، أو البقاء تحت تهديد دائم قابل للتحوّل إلى عمل عسكري في اللحظة المناسبة. بهذا المعنى، يصبح التهويل جزءاً من المعركة، لا مجرد مقدمة لها.
يحمل الحديث الإسرائيلي عن ضوء أخضر أميركي، سواءٌ كان دقيقاً أو مبالغاً فيه، يحمل دلالة سياسية عميقة. فهو يعكس شعوراً لدى المستوى السياسي في تل أبيب بأن اللحظة الإقليمية مؤاتية لإعادة خلط الأوراق، في ظل انشغال العالم بأزمات كبرى، وتراجع القدرة الدولية على فرض ضوابط صارمة على سلوك الحلفاء. كما يوحي بأن واشنطن قد تكون مستعدة لقبول تصعيد مضبوط، شرط ألا ينفلت نحو حرب إقليمية شاملة. هذا الهامش الرمادي هو بالضبط ما يزيد خطورة المرحلة.
في قلب هذه المعادلة المعقّدة، لا تزال مسألة سلاح حزب الله تشكّل عنصراً بنيوياً لا يمكن القفز فوقه. فالحزب يتعامل مع سلاحه بوصفه ركيزة استراتيجية لا تنفصل عن دوره الإقليمي ولا عن قراءته لطبيعة الصراع مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يرفض أي نقاش في تسليم السلاح أو إعادة تموضعه خارج سياق تسوية شاملة تزيل أسباب التهديد. في المقابل، ترى قوى لبنانية ودولية أن استمرار هذا الواقع يقيّد الدولة، ويمنعها من استعادة الحد الأدنى من السيادة العملية، ويُبقي لبنان رهينة معادلات لا يملك التحكم بها.
لا ينتج هذا التناقض مجرد انقسام سياسي، بل يخلق شللاً استراتيجياً. فالدولة عاجزة عن تقديم تعهّدات مقنعة للخارج، والخارج غير مستعد لتقديم ضمانات حقيقية في ظل هذا العجز. وهكذا يدور لبنان في حلقة مفرغة: لا حرب تُحسم، ولا سلم يُبنى، بل انتظار طويل على حافة الهاوية.
الأخطر في هذا المشهد ليس التصعيد بحد ذاته، بل قابلية الانزلاق غير المقصود. ففي بيئة مشحونة، يكفي خطأ في الحسابات، أو حادث ميداني محدود، أو قرار متسرّع، لتحويل التوتر المزمن إلى مواجهة واسعة. ولبنان، المنهك اقتصادياً ومؤسساتياً، لا يملك القدرة على امتصاص صدمة من هذا النوع، ولا يملك أيضاً ترف الرهان على حسن نيات الآخرين.
تأسيساً على هذا المشهد، يقف البلد أمام مفترق بالغ الحساسية. فإما الاستمرار في إدارة الأزمة بالحد الأدنى، مع ما يحمله ذلك من مخاطر كامنة، وإما الشروع في مقاربة وطنية أكثر واقعية تعترف بموازين القوى، وتسعى إلى تقليص هامش المغامرة عبر إعادة تعريف الأولويات. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى لبنان معلقاً بين تطمين لا يحمي، وتهديد لا يُنفَّذ… إلى أن يُنفَّذ.