Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر October 31, 2025
A A A
لبنان بين ضغط النار وصمت الميكانيزم المريب
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”

يبدو أن التصعيد العسكري الإسرائيلي الأخير في لبنان وغزة يتجاوز إطار الردود الميدانية التقليدية، ليشكل تحدياً مباشراً للسياسة الأميركية نفسها في الشرق الأوسط، وخصوصاً لخطاب الرئيس دونالد ترامب الذي يرفع شعار إنهاء الحرب في غزة وإعادة أجواء الاستقرار إلى لبنان والمنطقة تمهيداً لاستئناف مسار “اتفاقيات إبراهام”. فالغارات الإسرائيلية التي استهدفت الجنوب اللبناني بعد ساعات من تصريحات الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس والجنرال كيبرد، حول تفعيل لجنة المراقبة الدولية المعروفة بـ”الميكانيزم”، تمثل إحراجاً سياسياً لواشنطن وتأكيداً على أن تل أبيب تتصرف خارج أي سقف أو التزام حتى مع أقرب حلفائها.

إن التمادي الإسرائيلي في خرق وقف النار في كل من لبنان وغزة يطرح تساؤلات جدّية حول مدى قدرة الإدارة الأميركية على ضبط حليفتها الإسرائيلية، أو إلزامها بخطوط السياسة التي تروج لها. فالاستمرار في الغارات على الأراضي اللبنانية لا يصيب فقط مواقع يُعتقد أنها تابعة لحزب الله، بل يضرب في العمق مصداقية الدور الأميركي كراعٍ للاستقرار، وكمروج لمرحلة “سلام إقليمي جديد”.
اللافت أن التصعيد الإسرائيلي تزامن مع إعلان واشنطن عن نيتها إعادة تفعيل لجنة المراقبة المشتركة “الميكانيزم” التي يرأسها جنرال أميركي، والتي يفترض أن تكون منصة للتنسيق بين الأطراف الثلاثة: لبنان، إسرائيل، وقوات الأمم المتحدة، بهدف احتواء التوترات، وضمان تنفيذ القرار 1701. غير أن صمت هذه اللجنة المريب حيال الانتهاكات المتكررة يثير الشكوك حول فعاليتها، ويطرح علامات استفهام حول جدوى وجودها إذا كانت عاجزة عن ردع الخروقات، أو حتى إصدار مواقف علنية تدينها.
إن استمرار إسرائيل في التصعيد يضع الإدارة الأميركية في موقع حرج أمام حلفائها العرب، ويفقدها ما تبقّى من صدقية كوسيط نشيط. فبدلاً من أن تُترجم جهود الجنرال كيبرد والموفدة أورتاغوس إلى تهدئة ميدانية تتيح استئناف المفاوضات غير المباشرة بين بيروت وتل أبيب، جاءت الغارات لتقوّض هذه المساعي وتعيد الأمور إلى المربع الأول.
لبنان من جهته مطالب اليوم بتفعيل قنواته الدبلوماسية عبر الأمم المتحدة والعواصم الصديقة، للضغط على واشنطن كي تضبط السلوك الإسرائيلي وتعيد العمل الجدي بلجنة الميكانيزم وفق صلاحياتها الأصلية. فوقف النار في الجنوب وغزة ليس مطلباً لبنانياً أو فلسطينياً فقط، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدّية السياسة “الترامبية” في ترسيخ الاستقرار، وإثبات أن واشنطن لا تزال قادرة على إدارة توازنات الشرق الأوسط، لا الإكتفاء بالتفرج على انهيارها.
يبقى لبنان بين ضغط النار وصمت “الميكانيزم” المريب، يترقب ترجمة الوعود الأميركية بوقف العدوان واحترام القرار 1701، فيما تتسارع الأحداث على إيقاع حرب مفتوحة على شتى الاحتمالات. فإما أن تنجح واشنطن في كبح جماح تل أبيب وإعادة الانتظام إلى جبهة الجنوب، أو أن يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب مواجهة لا يريدها، لكنه قد يدفع ثمنها وحده!