Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر September 22, 2025
A A A
ما هي الخطة ب؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

تحدّث النائب الجمهوري الأميركي الداعم لـ”إسرائيل” بلا تردّد، إلى حد دعوة الرئيس دونالد ترامب لمنحها حق إبادة غزة بقنبلة نووية، عن نزع سلاح المقاومة في لبنان فقال إنه اذا لم تنجح الدبلوماسية الأميركية في إقناع الدولة اللبنانية بتولي المهمة، فإن لدى واشنطن خطة ب لتحقيق هذا الهدف، وبالرغم من أن الرئيس ترامب قال إن نفوذ اللوبي الداعم لـ”إسرائيل” يتراجع بسرعة في الكونغرس وغراهام أحد رموز هذا اللوبي، سوف نناقش الخطة ب التي تحدث عنها غراهام بصفتها قراراً أميركياً، وكأنها فعلاً كذلك.

الفرضية الأولى أن تكون الخطة ب كناية عن إجراءات اقتصادية للضغط على لبنان، وأعلى المراتب هنا هي العقوبات على لبنان، وهذه فرضية سبق وناقشتها لجان في الكونغرس الأميركي بحضور السفير السابق جيفري فيلتمان، وصرف النظر عنها لأنها تعني القضاء على النفوذ الأميركي في لبنان، ومنح المقاومة ومن خلفها إيران فرصة توسيع نطاق النفوذ داخل الدولة، وانتقال الجيش اللبناني من موقع تستطيع أميركا التأثير عليه الى موقع يؤثر فيه الخصوم، أما ما دون العقوبات فهو ما تفعله أميركا عملياً عبر تعطيل إعادة الإعمار وربط التراجع بإنجاز نزع السلاح، وبالتالي طالما أنه لم يُجدِ أصلاً فلماذا يمكن أن يجدي غداً؟

الفرضية الثانية هي الضغط العسكري الإسرائيلي، وهذا ما قصده غراهام على الأرجح، لكن السيناريو الأكثر تشويقاً الذي يتداوله جماعة مورغان أورتاغوس في لبنان، هو فتنة داخلية يرافقها تدخل عبر الحدود السورية وقصف إسرائيلي تدميري في الجنوب والضاحية والبقاع، ومثل هذا السيناريو الهوليودي غير قابل للتطبيق، لأن أي فريق محلي مناوئ للمقاومة لا يستطيع أخذ شارعه الى لعبة الحرب الأهلية المرفوضة من كل اللبنانيين، ولذلك يقف خصوم المقاومة وراء الجيش اللبناني ويدفعون به لتوريطه بالمواجهة مع المقاومة، أما فرضية تحريك الجبهة السورية فتفتقد عنصرين، مادي ومعنوي، العنصر المادي هو عدم وجود قوات كافية لخوض معارك شمال سورية مع الجماعات الكردية، والعنصر المعنوي هو أن حكومة تتنازل أمام “إسرائيل” بداعي تفادي الحرب لا تملك مشروعية أخذ بلدها نحو حرب لا توجد أي مقدّمات تبرر القول إنها رد على تحد وجودي أو أنها ضرورة لوجود مصدر تهديد. هذا مع العلم أن الحشد لشنّ هجوم يستدعي تعبئة البيئة الشعبية لتجنيد 1% منها، بينما الحشد للدفاع يجند 50% على الأقل، وعلى المهاجم أن يحشد 10 أضعاف القوة المدافعة لخوض الحرب، ما يعني أن سكان المناطق الحدودية الشمالية الشرقية في لبنان من العشائر يستطيعون الزجّ بـ 100 ألف مقاتل للدفاع عن أعراضهم وأرزاقهم وأمنهم، سوف يكون على الحكومة السورية تعبئة مليون جندي من بيئة شعبية قوامها مئة مليون مواطن يستشعرون أن هذه الحرب ضرورة، وللعبرة انظروا إلى حرب غزة وتلعموا منها الدروس.

الحرب التي يقصدها غراهام هي الحرب الإسرائيلية، وهو مغرم بقدرة إسرائيلية مطلقة، لكن السؤال الذي لا جواب عليه عند غراهام بل في تل أبيب، هو لماذا لم تكمل “إسرائيل” الحرب للقضاء على المقاومة ما دامت قادرة؟ ولماذا طلبت وقف النار بعدما أنهكت قواتها البرية في حرب الحافة الأمامية وعندما صرخت جبهتها الداخلية من صواريخ المقاومة يوم الأحد في 24 تشرين الثاني، مع 400 صاروخ تساقطت في كل أنحاء الكيان، ولمزيد من الشرح لو افترضنا أن “إسرائيل” أوقفت الحرب لإكمال العدة، لإسقاط سورية ثم إعادة تكوين الدولة اللبنانية تحت العباءة الأميركية كفرضية أقل كلفة للقضاء على المقاومة، وهي تعود لتنفيذ المهمة بعد فشل الرهان، فإن الأكيد أن الحرب المطلوبة ليست مجرد ضربات جوية مهما بلغت ضراوتها، وإذا كان الرهان على أن الضربات التدميرية تعيد إنتاج مناخ داخلي شبيه بما بعد حرب الإسناد، فهذا استنتاج مستعجل لأن المقاومة استجابت للضغط الداخلي يومها لسببين، الأول أن ما عرض عليها ينسجم مع القرار 1701 ولا يستهدف سلاحها مع بقاء الاحتلال، والثاني أنها كانت تعلم أن فتح جبهة الإسناد أصاب المشروعيّة التي تمتلكها في حال الدفاع، ولأنها في حال دفاع هذه المرة وقد منحت ما يكفي من الوقت لإثبات حسن النوايا فسوف تقاتل بشراسة ما بعدها شراسة، وأول ما سوف تفعله هو اعتبار اتفاق وقف النار ساقطاً والعودة إلى جنوب الليطاني وفتح الحرب البرية ما لم يفعل الاحتلال ذلك.

يبقى أن نقول لغراهام الذي تعوزه الخبرة العسكرية والسياسية، إن السياق الطبيعي هو أن يكون الأمر معكوساً، فلو كان بمستطاع “إسرائيل” وغيرها خوض الحرب لفعلوا قبل أن تتحدث الحكومة عن نزع السلاح، وعندما تكون الحرب في ذروتها يقدم عرض وقفها مقابل نزع السلاح، لكن الذي يحلمون بخطة ب إما أغبياء أو أنهم لا زالوا ضحايا رهانات الحرب النفسية التي بنيت عليها ورقة المبعوث الأميركي توماس برّاك، أملاً بأن تتسلم المقاومة باعتبارها تريد تفادي المواجهة مع الدولة والجيش، وبعدما فشل الرهان تمت العودة إلى التهويل بالحرب الإسرائيلية أملاً بأن يحدث الشيء نفسه فتخاف المقاومة من الحرب، أو تضغط عليها بيئتها لقبول مقايضة الحرب بالسلاح، لكن الحقيقة هي أن المقاومة التي لا تريد الحرب ولن تذهب إليها ابتداء، تنتظرها بفارغ الصبر، وأن بيئتها التي ذاقت مرارة الحرب تفضل ألف حرب على قبول تسليم السلاح.