Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 12, 2026
A A A
من ليلهامر إلى إهدن: الرواية المفقودة
الكاتب: المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

تبدأ الرواية وأحداثها من عام 1973، العام الذي تلقى فيه الموساد سلسلة من الضربات والإخفاقات المتلاحقة.

ففي النرويج وقعت فضيحة ليلهامر الشهيرة عندما اغتالت مجموعة من عملائه المواطن المغربي أحمد بوشيخي ظناً منهم أنه القيادي الفلسطيني علي حسن سلامة الذي اغتيل لاحقاً في بيروت عام 1979 . وفي لبنان أوقفت الأجهزة الأمنية اللبنانية ضابطاً إسرائيلياً في منطقة حقل العزيمة كان يعمل تحت هوية مزيفة حملت اسم “الأمير الألماني أورليخ لوزبيرغ”. وقد تبين من التحقيقات أنه يحمل جواز سفر مزور واسمه الحقيقي داني ياتوم.

بدت تلك الأحداث وكأنها كشفت هشاشة العمل الإسرائيلي في تلك المرحلة، وخصوصاً في لبنان الذي كان يتحول تدريجياً إلى ساحة مركزية للصراع الإقليمي.

غير أن الفشل لا يؤدي دائماً إلى الانكفاء، بل قد يكون مقدمة لإعادة بناء الأدوات والاختراقات.

زغرتا-إهدن: الجغرافيا التي أقلقت إسرائيل

في مطلع السبعينات نشط الموساد في تثبيت وجوده في منطقة زغرتا اهدن التي صنفها مناطق ذات أولوية. ففي الحسابات الإسرائيلية لم تكن هذه المنطقة مجرد منطقة مسيحية شمالية. فقد كانت تشكل نقطة التقاء بين ثلاثة عناصر شديدة الحساسية:

•موقع جغرافي ملاصق للعمق السوري الناشط في إثبات مكانته الإقليمية.

•زعامة مارونية مستقلة عن المحور اليميني المسيحي الصاعد.

•انفتاح سياسي على المحيط العربي تمثله مدرسة الرئيس الراحل سليمان فرنجيه.

في زمن بدأت فيه إسرائيل تنظر إلى بشير الجميل باعتباره الشريك المسيحي الأكثر انسجاماً مع رؤيتها للبنان، كان طوني فرنجيه يمثل نقيضاً سياسياً لهذا المشروع.

فخطط الموساد إلى العمل على بشير الجميل بصورة شخصية مفرطة، ليعود وفي مرحلة لاحقة حيث دعت الحاجة إلى الضغط على الجميل لإختيار سمير جعجع لقيادة عملية اهدن أو “عملية الأرزة” .

ما يؤكد حتمية أن الخلاف بين الرجلين لم يكن مجرد تنافس على الزعامة المسيحية، بل تنافساً على تعريف هوية لبنان ودوره وموقعه في الإقليم.

سقوط الضمانات العربية

في هذا السياق يمكن للباحث أن يقرأ قراءة متأنية لسلسلة أحداث متلاحقة أصابت المحيط السياسي للرئيس سليمان فرنجيه.

فقد توفي وزير الخارجية السعودي عمر السقاف أواخر عام 1974 في ظروف أثارت الكثير من التساؤلات) الزمان والمكان( ، فيما اغتيل الملك فيصل في آذار 1975، لتدخل المنطقة بعدها مرحلة من الاضطراب العميق.

وبغض النظر عن صحة النظريات التي تربط إسرائيل مباشرة بهذه الأحداث، فإن النتيجة السياسية كانت واضحة: تراجع مراكز الثقل العربية القادرة على توفير مظلة دعم للبنان وللخط السياسي الذي كان يمثله الرئيس سليمان فرنجيه.

وما بعد أشهر قليلة انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية في 13 نيسان 1975.

من الحرب إلى الاغتيال داخل البيت الواحد

مع انهيار الدولة اللبنانية انتقلت المواجهة من خطوط التماس التقليدية إلى داخل البيئات نفسها.

وهنا تبرز مجزرة إهدن في 13 حزيران 1978 بوصفها لحظة مفصلية تجاوزت كونها عملية عسكرية أو تصفية حسابات سياسية.

لقد شكل اغتيال طوني فرنجيه وزوجته فيرا وابنته جيهان وعدد من أهله وناسه نقطة تحول في تاريخ الوجود المسيحي اللبناني نفسه.

للمرة الأولى بهذا الحجم، يدخل الاقتتال المسيحي – المسيحي مرحلة كسر المحرمات بالكامل.

والسؤال الذي يبقى مطروحاً: من كان المستفيد الاستراتيجي من إزالة شخصية مثل طوني فرنجيه من المشهد اللبناني؟

الرئيس المحتمل الذي لم يصل:

كان طوني فرنجيه في نهاية السبعينيات يمثل مشروعاً سياسياً قابلاً للنمو.

شاباً، ابن رئيس جمهورية، يملك امتداداً شعبياً في الشمال، وعلاقات سورية وعربية واسعة، وقبولاً لدى شرائح لبنانية متعددة لا سيما ما بعد اقدامه على إتمام المصالحة التاريخية بين زغرتا وطرابلس التي أعادت النفس الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والأمني لقيام دولة لبنان الواحد الرافضة لكل أشكال التقسيم.

ومن هنا يمكن فهم الفرضية القائلة إن إزالته لم تكن حدثاً محلياً صرفاً، بل ساهمت في إعادة رسم التوازنات المسيحية واللبنانية لمصلحة خيارات أخرى كانت تنضج في ذلك الوقت.

فكانت الغاية من مجزرة اهدن إقصاء القيادات المعادية للكيان الإسرائيلي آنذاك وتصفيتها ضمن سياق سياسي يهدف لإعادة ترتيب الساحة المسيحية لخدمة مشاريع معينة .

إنها فرضية تحتاج إلى مزيد من الوثائق، لكنها تظل لجديتها جديرة بالنقاش التاريخي.

عندما انتصر الغفران على الدم

ربما تكون أكثر مفارقات هذه القصة مأساوية وإنسانية في آن واحد.

فبعد كل ما جرى، لم يتحول رئيس تيار المرده سليمان فرنجيه إلى داعية ثأر دائم، وهو ولي الدم وفقاً لمنطق المجتمعات العائلية والأعراف العشائرية، وبقي يحمل جرحه لكنه اختار في النهاية طريق المصالحة السياسية والغفران المسيحي لا طريق الحرب المفتوحة.

>>غفرنا وتخطينا هذه المرحلة ونتطلع إلى المستقبل لكن ما نسينا، ومن ليس له تاريخ لا مستقبل له <<

إنها المقاربة نفسها التي عرفها العالم مع البابا يوحنا بولس الثاني عندما سامح الرجل الذي حاول اغتياله.

>>أصلي من أجل الأخ الذي أطلق النار علي، والذي قد سامحته بصدق <<

وهي أيضاً المقاربة التي جسدها شيكو بوشيخي، شقيق أحمد بوشيخي ضحية ليلهامر، الذي اختار الموسيقى والحياة بدلاً من الانتقام.

”Ni Explications, Ni excuses,mais j’ai Pardonné”

في هذه اللحظة تتجاوز إهدن حدود السياسة والحرب. فالسؤال لم يعد: من قتل طوني فرنجيه؟ بل كيف استطاع بعض الذين فقدوا أبناءهم وأحباءهم أن ينتصروا على رغبة الانتقام؟

>>اننا نتطلع إلى مرحلة جديدة نتخطى من خلالها الماضي – إلا اننا نأخذ من العبر لأولادنا كي نبقى ونستمر<<

لقد قدموا نموذجاً للإنسان حين يكون أكبر من جراحه.

أما العالم، فغالباً ما اختار طريقاً آخر، طريقاً بقيت فيه الذاكرة وقوداً للصراعات، وبقيت الكراهية أقوى من الغفران، وبقيت الإنسانية الاستثناء النادر في تاريخ يميل دائماً إلى التوحش أكثر مما يميل إلى الحكمة.