Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 6, 2026
A A A
معادلة الجنوب تقلب الحسابات: كيف فكّك موقف بري ونار الميدان «الفخ الإسرائيلي الأميركي»؟

 

كتب حسن حردان 

بعد إعلان واشنطن الأخير عن صيغة “الاتفاق المشروط” لوقف إطلاق النار، وما قابله من رفض ميداني وعملي قاطع من قِبل المقاومة للشروط الإسرائيلية والأميركية، تحوّلت جبهة الجنوب من محاولة فرض ترتيبات سياسية بالنار، إلى معركة “عض أصابع” مفتوحة.

وفي تعبير سياسي حاسم عن هذا الرفض اللبناني، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليفكك الطرح الأميركي ـ الإسرائيلي، واصفاً بيان واشنطن بأنه “اتفاق مفخخ”، ومحذراً من أن ما يُسمّى بـ “المناطق التجريبية” إنما هو “تفخيخ” للسيادة اللبنانية. هذا الموقف رسم بوضوح السقف العالي للبنان، مكرّساً حقيقة أنّ حرب الاستنزاف المتبادل هي السمة التي وُسِم بها المشهد الحالي، وأنّ كسر هذه الحلقة المفرغة بات محكوماً بمسارين لا ثالث لهما: إما وصول جيش الاحتلال إلى حائط صدّ ميداني يجبره على الانسحاب، أو نضوج تسوية إقليمية كبرى تفرض إنهاء الحرب على كلّ الجبهات دفعة واحدة.

 

أولاً: مسار “الإنهاك الميداني” وعقدة الطريق المسدود،

ينطلق هذا السيناريو من قراءة التاريخ المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، حيث يجد جيش العدو نفسه غارقاً في مستنقع تزداد كلفته يومياً دون أفق لحسم حقيقي:

1 ـ معادلة المنفعة السالبة: يواجه جيش الاحتلال في تلال الجنوب ومحيط وادي السلوقي والشقيف تكتيكات دفاعية وهجومية مرنة تعتمدها المقاومة (كمائن مركبة، مُسيّرات انقضاضية ليلية، وصواريخ مضادة للدروع). هذا الواقع يفرض على قيادة حيش الاحتلال حسابات معقدة؛ إذ أصبحت “المنفعة الهامشية” للبقاء داخل الأراضي اللبنانية سالبة، فكلّ يوم إضافي يعني مزيداً من النزيف البشري في قوات النخبة، وتآكلاً في مخزون الذخائر المعقدة، وشللاً كاملاً للحياة الاقتصادية والاجتماعية في الشمال الفلسطيني المحتلّ.

2 ـ إسقاط شروط الاحتلال بالميدان والسياسة: يتلاقى هذا التعثر الميداني للاحتلال مع “خارطة الطريق” السياسية التي طرحها الرئيس نبيه بري؛ إذ أكد أنّ أيّ حلّ حقيقي يجب أن يرتكز على وقف إطلاق نار شامل وكامل دون قيد أو شرط، وبراً وبحراً وجواً، مع التشديد على منع الاحتلال من القيام بأيّ عمليات تجريف أو هدم للمنازل في البلدات الحدودية.

3 ـ معادلة التوازي في الانسحاب: نسف موقف الرئيس بري الرهان الإسرائيلي على انتزاع مكاسب مجانية، عبر التأكيد على أنّ أيّ حديث عن انسحاب حزب الله إلى شمال الليطاني يجب أن يكون بالتوازي والتزامن مع انسحاب قوات الاحتلال الكامل من الأراضي اللبنانية، وهو ما يحرم “إسرائيل” من فرض منطقة عازلة من طرف واحد، ويجعل البقاء البري الإسرائيلي مجرد نزيف بلا طائل.

 

ثانياً: مسار “التسوية الكبرى” (التفاهم الأميركي ـ الإيراني)،

على المقلب الآخر، لا يمكن فصل جبهة جنوب لبنان ـ على الرغم من خصوصيتها الميدانية وفاعليتها الذاتية وخارطة طريقها السياسية الداخلي ـ عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة؛ إذ تُدار المعركة بوصفها جزءاً من “قوس مواجهة” إقليمي متكامل:

سلة الحلول المتكاملة: يدرك الفاعلون الدوليون أنّ مفتاح الحلّ الجذري الشامل يمرّ عبر قنوات التواصل بين واشنطن وطهران. حصول اتفاق أو تفاهم إقليمي بين الطرفين هو الكفيل بإنتاج صيغة لإنهاء الحرب ليس في لبنان وحسب، بل على كافة الجبهات المرتبطة بها.

الانسحاب كتحصيل حاصل: في حال نضوج مثل هذه التسوية الدولية، لن تمتلك “إسرائيل” القدرة على الاعتراض أو المناورة، نظراً لارتباطها العضوي بالغطاء السياسي والعسكري الأميركي (إمدادات السلاح والفيتو). والانسحاب الإسرائيلي الفوري سيتشكل هنا كتحصيل حاصل للترتيبات الدولية الجديدة، وتحت مسمّى الإذعان للإرادة الدولية والتنسيق مع الحليف الأكبر.

 

خلاصات استراتيجية

1 ـ التلاحم بين الميدان والموقف السياسي: إنّ المسارين المطروحين ليسا منفصلين؛ بل إنّ الصمود الميداني للمقاومة في الجنوب هو الذي يعطي الموقف السياسي اللبناني ـ الذي عبّر عنه الرئيس بري بسقوفه الحاسمة ـ القوة لرفض “الاتفاقات الهجينة” و”المناطق التجريبية المفخخة”. هذا الترابط هو المحرك الأساسي الذي يدفع القوى الدولية للاستعجال في البحث عن صفقة إقليمية جادة.

2 ـ انكسار أوهام فرض الشروط الإذعانية: تؤكد الوقائع أنّ استراتيجية “النفس الطويل” نجحت في تحويل التوغل الإسرائيلي من أداة ضغط سياسي لفرض إخلاء الجنوب، إلى عبء عسكري واستراتيجي؛ حيث ستكون “إسرائيل” مجبرة على نقاش الانسحاب المتوازي بدلاً من فرض الإملاءات اذا كانت تريد مخرجا من مأزق الاستنزاف في جنوب لبنان.

3 ـ مآل المواجهة: في المحصلة، يبدو أنّ جيش الاحتلال قد وقع بالفعل في فخ استنزاف كلاسيكي؛ فالاستمرار في القتال برياً بلا أفق يتآكل معه الجيش، والانسحاب بلا اتفاق شامل يحقق مطالب لبنان يكرّس هزيمة سياسية وعسكرية. وبالتالي، فإنّ خروج “إسرائيل” من هذا الفخ بات مسألة وقت تحسمه إما إشهار هيئة الأركان الإسرائيلية لعجزها الميداني والبشري، أو نضوج صفقة دولية تفرض الانسحاب الشامل والفوري براً وبحراً وجواً…