Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 6, 2026
A A A
لبنان على صفيح سياسي ساخن.. وبري يفتح ثغرة في جدار التصعيد..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

تطوران بارزان سيطرا أمس على المشهد اللبناني الذي لا يزال يرزح تحت تأثير عدوان إسرائيلي موسع في قرى وبلدات الجنوب يضرب مضمون اتفاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن عرض الحائط.

 

التطور الأول هو بلوغ مستوى التصعيد السياسي مداه وصولًا إلى حدود التصادم بين السلطة اللبنانية وحزب الله، بعد المواقف العالية السقف التي أطلقها كل من رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام باتجاه إيران وتحميلها مسؤولية ما يحصل في الجنوب، فضلًا عن هجومهما المباشر على حزب الله الذي رفض بلسان أمينه العام نعيم قاسم اتفاق واشنطن جملة وتفصيلا وتأكيده أن المقاومة مستمرة إلى حين انسحاب العدو الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة.

 

 

هذه المواقف ساهمت في تسخين الأرضية السياسية بفعل الاصطفافات التي كرستها، في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى تصديع الجبهة الداخلية والاستفادة من تعميق الهوة بين السلطة والمقاومة لإشعال فتنة تخدم توجهاتها ومشروعها في تشريع احتلالها وإقامة المنطقة العازلة الخالية من السكان ودخولها إلى المعادلة السياسية اللبنانية.

 

ومع وصول الأمور إلى مرحلة اللاعودة والتي كادت أن تؤدي إلى اشتعال الأرضية اللبنانية، سارع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى ممارسة دور الإطفائي في تبريد الأجواء عبر بيان جاء في وقته، حرص فيه على تفنيد بنود الاتفاق وإظهار ما يمكن أن ينفذه لبنان وما لم يستطع تنفيذه، قبل أن يعلن أنه يقبل بانسحاب حزب الله من جنوب الليطاني، شرط أن تنسحب إسرائيل وأن توقف اعتداءاتها برًا وبحرًا جوًا وان تتوقف عن التجريف والهدم.

 

وقد نجح بري في بيانه في إيجاد ثغرة في الجدار السياسي الذي ارتفع سريعا بين السلطة والمقاومة، في ظل معلومات تشير إلى أن الطرفين يعملان على قراءته بتأنٍ والبحث عن تسوية ما، يمكن أن تشكل بديلا عن المواقف العالية التي لا تخدم الاستقرار الداخلي وتصب فقط في مصلحة إسرائيل.

 

أما المشهد الثاني فتمثل بالتناقض الذي تحكم في كثير من المواقف، لا سيما لجهة تأكيد السلطة اللبنانية على تمسّكها باتفاق واشنطن باعتباره فرصة أخيرة، مقابل عدم قبول رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بوقف إطلاق النار حيث لم يقم بعرض الاتفاق على المجلس الإسرائيلي المصغر، في ظل تصريحات لكثير من المسؤولين الصهاينة بأنه لن يكون هناك خروج من الأراضي التي احتلت وأن الكيان ماضٍ في العمل على إيجاد المنطقة العازلة، وأنه لن يوقف اعتداءاته، ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول مصير هذا الاتفاق الممنوع من الصرف إسرائيليًا.

 

كذلك الأمر بالنسبة إلى تشديد السلطة اللبنانية على فصل المسار اللبناني عن مسار إيران والمفاوضات التي تتوسط فيها إسلام أباد، في حين يغادر اليوم قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى العاصمة الباكستانية ليلتقي قائد الجيش المشير عاصم منير، ما يؤكد ارتباط الملف اللبناني بملف التفاوض الأميركي الإيراني، أو أن الجهود التي بذلها الرئيس بري على أكثر من صعيد قد أثمرت في مكان ما، وأفضت إلى العمل على المسارين: اتفاق واشنطن ومساعي إسلام أباد.

 

كما وصل هذا التناقض إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يشدد على ضرورة فصل المسارات، ثم يتحدث بإسهاب عن تلازمها وترابطها.

 

يبدو واضحًا أن ثمة هوّة سحيقة بين الآمال التي تضعها السلطة اللبنانية على اتفاق واشنطن أو رضوخها للضغوط الأميركية في تطبيق بنوده، وبين الأهداف الإسرائيلية التي تتطلع إلى أن يساهم الاتفاق بتحييد نيران المقاومة عن طريق مشروعها العدواني المستمر، ما يجعل تمسك السلطة اللبنانية بالاتفاق خارج المنطق والواقع والسيادة الوطنية، إلا في حال الرضوخ والاستسلام للرغبة الأميركية التي تصب أولًا وأخيرًا في مصلحة إسرائيل.