Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر June 25, 2026
A A A
معادلة «الأمن مقابل الأمن»: سقوط مناورات نتنياهو أمام تفاهمات جنيف وصخرة المقاومة

كتب حسن حردان

 

 

شهدت الساحة الإقليمية والدولية مؤخراً تحوّلاً دراماتيكياً أعاد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، وتحديداً في ملف المواجهة المحتدمة بين “إسرائيل” ومحور المقاومة. ولم تعد النقاشات داخل أروقة القرار في تل أبيب، والمنعكسة بوضوح على صفحات الصحف الإسرائيلية، تتمحور حول “شروط النصر” أو “شكل الحزام الأمني”، بل تركزت حول كيفية التكيّف مع طوق دبلوماسي وميداني فريد من نوعه، فرضته وقائع الميدان في جنوب لبنان من جهة، ومخرجات مفاوضات جنيف وسويسرا بين واشنطن وطهران من جهة أخرى.
ما هي الوقائع الجديدة التي أجهضت المساعي الإسرائيلية للتهرّب من الاستحقاقات، وكيف تحوّلت الطموحات “الإسرائيلية” بجني “جوائز سياسية” إلى مأزق يبحث فيه الاحتلال عن تراجع يحفظ ما تبقى من ماء وجهه.

أولاً: وقائع الميدان… صخرة المقاومة
وتحطّم الأوهام “الإسرائيلية”
منذ إعلان وقف إطلاق النار الأولي في الثاني من آذار الماضي، حاولت الحكومة “الإسرائيلية”، برئاسة بنيامين نتنياهو، فرض أمر واقع على الأرض عبر التوغل في شريط أمني بعمق يصل إلى نحو 10 كيلومترات، تحت ذريعة تفكيك البنية التحتية للمقاومة وإبعاد مدى صواريخها الموجهة عن المستوطنات “الإسرائيلية”. وكان الرهان “الإسرائيلي” يقوم على إمكانية تحويل هذا الاحتلال العسكري إلى ورقة ضغط سياسية لفرض ترتيبات أمنية دائمة تمنح جيش العدو حرية الحركة والتفتيش في جنوب لبنان.
إلا أنّ هذه الحسابات اصطدمت بحائط مسدود لسببين جوهريين فرضهما الميدان:
معادلة الردّ الفوري والناجز: كرّست المقاومة في جنوب لبنان قواعد اشتباك صارمة، رافضةً بشكل قاطع التعايش مع أيّ احتلال مقنّع أو جيوب أمنية. وأصبح أيّ قصف أو تحرك أو محاولة تثبيت نقاط “إسرائيلية” تُقابَل بردّ ميداني مباشر، مما حوّل الشريط الأمني إلى مصيَدة استنزاف يومي مكلف لجيش الاحتلال الإسرائيلي بشرياً وعسكرياً.
رفض العودة إلى الوراء: أثبتت الوقائع أنّ المقاومة نجحت في فرض فيتو ميداني على أيّ صيغة تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل 2 آذار، مؤكدة أنّ بقاء الاحتلال في أيّ شبر من الأراضي اللبنانية تحت أيّ ذريعة أمنية سيكون دافعاً لاستمرار حرب الاستنزاف لا إنهائها.

ثانياً: مفاوضات جنيف
وترسيخ “وحدة الجبهات”
بالتوازي مع السخونة الميدانية، جاءت التفاهمات الأميركية ـ الإيرانية في جنيف وسويسرا لتشكل الصدمة الدبلوماسية الأكبر لنتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة. هذه المفاوضات كرّست رسمياً مبدأ “ترابط الملفات والجبهات”؛ حيث نجحت طهران في ربط استقرار الممرات البحرية (كمضيق هرمز) وملفات الطاقة والملف النووي، بإنهاء الحرب على جبهة لبنان، وبضرورة إيجاد حلّ شامل ومستدام يحفظ سيادة ووحدة لبنان، يقوم على الانسحاب “الإسرائيلي” الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
هذا الربط أنتج معطيات جديدة لم تستطع “إسرائيل” القفز فوقها، وهي:
آلية فضّ الاشتباك الدولية: ولدت من رحم تفاهمات جنيف آلية دولية خماسية للإشراف على الوضع في الجنوب، ضمّت (الولايات المتحدة، إيران، لبنان، قطر، وباكستان) مع استبعاد “إسرائيل” بالكامل. هذا التطور وصفته الصحافة الإسرائيلية بـ “الواقع العبثي” الذي منح طهران وحلفاءها الحق في تحديد معايير الانتهاكات، وقيّد يد الجيش “الإسرائيلي” الذي باتت حركته محصورة فقط في الردّ على “التهديدات الوشيكة المباشرة”، مجهضاً مصطلح “مواجهة التهديد النامي” الذي تذرّعت به “إسرائيل” طويلاً لمواصلة اعتداءاتها وانتهاك السيادة اللبنانية.
انكفاء الغطاء الأميركي للمناورة: وجدت “إسرائيل” نفسها أمام إدارة أميركية حريصة على تثبيت هذا الاتفاق الإقليمي كإنجاز سياسي واقتصادي، مما حرم حكومة نتنياهو من أيّ هامش للمناورة العسكرية الواسعة أو الالتفاف على الاتفاق.

ثالثاً: مفاوضات واشنطن
والمحاولات اليائسة للتهرب
في محاولة للالتفاف على مسار جنيف، توجّهت “إسرائيل” نحو مفاوضات واشنطن، سيعاً لصياغة “ترتيبات ثنائية خاصة” تضمن لها الاحتفاظ بجيوب أمنية أو انتزاع مكاسب تكتيكية، كالمقترح الذي نوقش مؤخراً بشأن انسحاب جزئي وتسليم بعض المناطق للجيش اللبناني في إطار مشروع تجريبي.
بيد أنّ هذه المناورات باتت توصف في الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأنها “اندفاعة نحو قطار غارق”؛ نظراً للثبات اللبناني المستند لقوة المقاومة، واتفاق التفاهم الأميركي ـ الإيراني، والذي يُصرّ على النقاط التالية:
الانسحاب الشامل والكامل من كافة الأراضي اللبنانية المحتلة كشرط أساسي وغير قابل للتفاوض لأيّ ترتيبات.
رفض منح “إسرائيل” أيّ “جوائز سياسية” أو أمنية مقابل انسحابها، باعتبار أنّ وجودها على الأرض اللبنانية هو اعتداء يجب أن ينتهي بلا مقابل.

رابعاً: الحل… التسليم بمعادلة
“الأمن مقابل الأمن”
تُجمع القراءات والتحليلات الإسرائيلية، السياسية منها والعسكرية، على أنّ خطط نتنياهو للتهرّب والمماطلة باتت تصطدم بجدار سميك من الحقائق. فلا الميدان في جنوبي لبنان بات مكاناً قابلاً للاستقرار العسكري، ولا المظلة الدولية (الأميركية ـ الإيرانية) تسمح بخرق قواعد اللعبة الجديدة.
بناءً على ذلك، يمكن تسجيل النتيجتين الآتيتين:
النتيجة الأولى، فشل خيار الاحتلال المقنّع: إنّ محاولة “إسرائيل” فرض “شرعية أمنية” لجيوب داخل الحدود اللبنانية قد سقطت عملياً. وأيّ استمرار في هذا النهج سيعني الدخول في حرب استنزاف مفتوحة لا يملك جيش الاحتلال القدرة ولا الدعم الدولي لتحمل تبعاتها.
النتيحة الثانية، المعادلة الوحيدة القابلة للحياة: لم يعد أمام تل أبيب سوى التسليم بالمعادلة التي طرحتها وثبتتها المقاومة: “الأمن مقابل الأمن، والهدوء مقابل الانسحاب الكامل”. ولن تحصل “إسرائيل” من هذه الحرب على أيّ مكاسب استراتيجية، بل ستجبر في نهاية المطاف على تراجع تكتيكي يفضي إلى سحب قواتها خلف الحدود، والقبول بآلية الرقابة الدولية المنبثقة عن التفاهمات الإقليمية، ليخرج لبنان من هذه الجولة مثبتاً سيادته ومعادلات ردعه دون تقديم أي تنازلات تمسّ أمنه أو سيادته الوطنية…