Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر September 2, 2026
A A A
مطار رياق… مشروع انتعاش اقتصادي أم حلم بقاعي؟
الكاتب: سامر الحسيني

كتب سامر الحسيني في “الأخبار”:

منذ أكثر من نصف قرن، يتناقل البقاعيون حلماً بتحوّل مطار رياق من قاعدة عسكرية إلى بوابة جوية مدنية تتيح نقل محاصيلهم إلى الأسواق العربية والأوروبية، وتستقبل الركاب والاستثمارات، وتتصل بمنطقة اقتصادية حرّة تعيد إلى البقاع موقعه على خريطة الإنتاج والتجارة. المشروع طرحه رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع ومؤسّسها ألفرد سكاف عام 1973، باعتباره حاجة اقتصادية وإنمائية للمنطقة. ومنذ ذلك الحين، لم يغب عن البرامج الانتخابية والوعود السياسية وبعض البيانات الوزارية، فيما بقي المطار عملياً قاعدة جوية، وبقيت فكرة تشغيله المدني مُعلّقة بين الوعود والدراسات.
ويقول رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في زحلة والبقاع، منير التيني، إن تشغيل مطار رياق بقي من المطالب الثابتة في عمل الغرفة، نظراً إلى ما يمكن أن يوفّره للقطاعات الزراعية والصناعية والتجارية.

ويعود إنشاء مطار رياق إلى الحرب العالمية الأولى. ففي عام 1914، وضعت القوات الألمانية الموقع في الخدمة كمنشأة للطيران العسكري، قبل أن ينتقل إلى سيطرة القوات الفرنسية بعد انتصار الحلفاء وانتهاء الحرب. وفي عام 1920، أعاد الجنرال هنري غورو تدشين المطار بعد توسعته وتأهيله، ليواصل أداء دوره كمرفق جوي في البقاع. لكنّ المحطة الأبرز في تاريخ مطار رياق جاءت بعد الاستقلال، إذ تحوّل الموقع عام 1949 إلى أول قاعدة جوية فعلية للجيش اللبناني. ومن مدرجه بدأت مرحلة تأسيس سلاح الجو اللبناني وتطوّره.

بعد قرار الحكومة تشغيل مطار القليعات، يعود مطار رياق إلى الواجهة، لا بوصفه مطلباً مناطقياً فحسب، بل باعتباره واحداً من الأسئلة المرتبطة بمستقبل الاقتصاد البقاعي. وفي قلب النقاش، تقف الزراعة. فسهل البقاع من أهم مناطق الإنتاج الزراعي في لبنان، ويضم مساحات واسعة من كروم العنب وبساتين الأشجار المثمرة وحقول الخُضر والورقيات والأعشاب. وتواجه هذه المُنتجات، ولا سيما السريعة التلف، صعوبات كبيرة في الوصول إلى الأسواق الخارجية بسبب ارتفاع كلفة النقل وطول مدة الشحن.

عضو تجمّع منتجي العنب في لبنان، المهندس مهدي عودة، يرى أن وجود مطار للشحن في وسط سهل البقاع يفتح آفاقاً واسعة أمام تطوير القطاع الزراعي، ويشجّع المزارعين والمستثمرين على اعتماد أصناف ذات قيمة اقتصادية مرتفعة وقابلة للتصدير جواً. ويوضح أن توفير وسيلة نقل سريعة وقريبة من الحقول والكروم سيؤدي إلى زيادة كميات التصدير وتوسيع المساحات المزروعة، مشيراً إلى أن «صادرات العنب عبر مطار رياق يمكن أن تصل في الموسم إلى نحو 100 طن يومياً. كما أن إجمالي الصادرات الزراعية اليومية، من عنب وفواكه وخُضر وورقيات وأعشاب، قد يراوح بين 150 و200 طن، إذا توافرت البنية التشغيلية المناسبة والأسواق وخطوط الشحن المنتظمة».

ويؤكد عودة أن اختصار المسافة والزمن بين الحقل وسوق الاستهلاك الخارجي يشكّل عاملاً حاسماً في الحفاظ على جودة المُنتجات اللبنانية وقيمتها التجارية، ولا سيما في الأسواق التي تتطلب وصول البضائع خلال ساعات قليلة من القطاف والتوضيب. ومن شأن هذه السرعة أن ترفع القدرة التنافسية للمُنتج اللبناني، وتزيد الطلب عليه، وتحدّ من الخسائر الناتجة من التأخير وتراجع الجودة. كما يمكن أن تدفع المزارعين إلى توسيع كروم العنب وبساتين الأشجار المثمرة وزيادة زراعة المُنتجات القابلة للتصدير الجوي.

بدوره، رئيس الاتحاد الوطني للفلاحين اللبنانيين، إبراهيم الترشيشي، يذهب أبعد في تقييمه للمشروع. فهو يعتبر أن تشغيل مطار رياق تجارياً يمكن أن يشكّل فرصة لإنعاش قطاعات إنتاجية بكاملها، خصوصاً إذا ترافق مع منطقة حرّة ومرافق لوجستية متخصّصة، لافتاً إلى أن «كلفة النقل المرتفعة تشكّل إحدى العقبات الأساسية أمام تصدير المحاصيل الزراعية اللبنانية. فالنقل البري البطيء والمكلف يحول في كثير من الأحيان دون تصدير الورقيات والأعشاب وبعض أصناف الخُضر والفواكه، بسبب تراجع جودتها خلال الطريق، ما يدفع المُصدِّرين إلى الإحجام عن شحنها ويؤدّي إلى تكدّسها في السوق المحلية وانهيار أسعارها.

أمّا وجود مطار قريب من مناطق الإنتاج، فيمكن أن يختصر مراحل النقل ويمنح المزارعين فرصة الوصول إلى أسواق جديدة، بدلاً من حصر خياراتهم في الأسواق التي يمكن بلوغها براً أو بحراً». كذلك «يتيح موقع رياق إمكانية خدمة جزء كبير من الإنتاج الزراعي في مختلف مناطق البقاع، واستقطاب مُنتجات من الجنوب والشمال عند توافر شبكة طرق وخدمات لوجستية مناسبة».

ولا تقتصر فوائد المطار على الزراعة وحدها، إذ يمكن أن يشكّل، في حال تشغيله، نواة لمنظومة اقتصادية أوسع تدعم الصناعات الغذائية والتحويلية، وتشجّع على إنشاء مراكز للتوضيب والتبريد والتخزين، ومختبرات لمراقبة الجودة، ومحطات للحجر الزراعي، فضلاً عن تنشيط قطاعات النقل والخدمات الجمركية والتأمين والتسويق. ومن شأن هذه الدورة الاقتصادية أن تخلق فرص عمل جديدة، وأن تُسهِم في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي بصورة أكثر توازناً بين العاصمة والمناطق.

وبحسب المطالبين بالمشروع، لا ينفصل هذا الدور الاقتصادي عن الوظيفة المحتملة للمطار في حركة الركاب. فموقع رياق في قلب البقاع يمكن أن يختصر على سكان المنطقة جزءاً من الرحلة إلى مطار بيروت، كما يمكن أن يسهّل وصول المغتربين والزوار إلى البقاع، في ظل ما تتمتّع به المنطقة من مقوّمات سياحية وطبيعية وأثرية. ويرى هؤلاء أن حركة الركاب يمكن أن تكتسب أهمية خاصة في المواسم السياحية، إذا ما جرى ربط المطار بمسار سياحي متكامل يضم زحلة وبعلبك وعنجر، إلى جانب المواقع الدينية والأثرية والطبيعية المنتشرة في مختلف مناطق البقاع. وفي هذه الحالة، لا يعود المطار مجرد مرفق للنقل، بل يتحوّل إلى بوابة للمنطقة، تربط إنتاجها الزراعي والصناعي بأسواق الخارج، وتفتح في الوقت نفسه طريقاً أقصر أمام الزوار والمغتربين إلى وجهاتهم السياحية.

من يدفع الكلفة؟
غالباً ما يُناقش مشروع مطار رياق من زاوية فوائده الاقتصادية، لكنّ الجانب الآخر من المعادلة هو الكلفة. فالمطار المدني يحتاج إلى منشآت للشحن والركاب، وأنظمة سلامة وملاحة، وتجهيزات جمركية وصحية وزراعية، ومستودعات تبريد، وربط فعّال بشبكة الطرق، فضلاً عن كلفة التشغيل والصيانة. وتقول مصادر متابعة إن الأسئلة التي يجب أن تسبق أي التزام مالي هي: هل يكفي أن يكون المطار قريباً من الحقول لجعل كلفة الشحن الجوي أقل من الخسارة التي يتكبّدها المُنتِج حالياً؟ وهل يستطيع المُصدِّر اللبناني مواجهة مُنتجات منافسة تأتي من دول تملّك شبكات شحن جوي أكثر تطوراً؟ وهل يوجد طلب خارجي منتظم يستوعب هذه الكميات؟ وهل توجد كثافة سكانية وحركة سفر كافية لتشغيل خطوط ركاب منتظمة؟ وإلى أي وجهات؟ وهل يمكن لشركات الطيران أن تجد في رياق سوقاً مستقرة طوال العام، لا حركة موسمية فقط؟

بعد أكثر من نصف قرن على طرح المشروع، لا يحتاج البقاعيون إلى وعد جديد بتشغيل مطار رياق بقدر ما يحتاجون إلى دراسة اقتصادية وفنية مستقلّة، وأرقام واضحة لحجم الشحن المتوقّع، وتقدير لحجم الاستثمار المطلوب، وتحديد لنموذج الإدارة والتمويل، ودراسة للسوق والوجهات المحتملة، وخطة زمنية لتنفيذ المشروع. إذا أثبتت الدراسة أن مطار رياق قادر على أن يصبح مركزاً للشحن الجوي، فالسؤال يصبح: لماذا التأخير؟ وإذا لم تثبت الجدوى، فالسؤال يصبح: لماذا الاستمرار في تقديم المشروع كأنه حقيقة اقتصادية جاهزة؟