Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر August 13, 2026
A A A
ماذا لو علّق لبنان التفاوض حتى؟

جاء في جريدة “البناء”:

ماذا يحدث لو أعلنت الدولة اللبنانية أنها لن تنسحب من التفاوض، لكنها ستعلّق مشاركتها في الجلسات إلى أن يتحقق شرطان بديهيان: وقف ثابت لإطلاق النار، وتقديم جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي؟ هل تتعرّض لعقوبات وضغوط أميركية، أم تكتشف أن انهيار المسار التفاوضي يهدد واشنطن وتل أبيب أكثر مما يهدد بيروت؟
تبدو السلطة اللبنانية كأنها تدخل المفاوضات من موقع مَن لا يملك خياراً آخر، ولذلك تقبل استمرار الاجتماعات بالتزامن مع الغارات والتدمير ومنع السكان من العودة. لكن المفاوضات ليست قيمة بذاتها، ولا يقاس نجاحها بعدد الجولات أو الدول المرشحة للمشاركة في آليات التحقق؛ فوظيفتها وقف الحرب وإنهاء الاحتلال. فإذا بقي القصف مستمراً، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الجيش لن ينسحب من جنوب لبنان، فما معنى الحديث عن «تقدم إيجابي»؟
تعليق التفاوض، لا إنهاؤه، ينقل السؤال من بيروت إلى واشنطن وتل أبيب. تستطيع الدولة اللبنانية القول إنها جاهزة للعودة فور تثبيت وقف النار وتسلّم جدول الانسحاب. وبذلك لا تظهر رافضة للسلام ولا معطلة للوساطة، بل تطالب بالحد الأدنى الذي يجعل التفاوض ذا معنى. فكيف يُطلب منها البحث في نزع السلاح وآليات التفتيش، بينما يرفض الاحتلال تحديد موعد خروجه ويواصل تدمير المنازل والأراضي؟
الرد الأميركي الأول سيكون ممارسة ضغوط مكثفة؛ سيصل الموفدون حاملين التحذيرات من «إضاعة الفرصة» وتحميل لبنان مسؤولية انهيار المسار. وقد تلوّح واشنطن بتعليق الدعم السياسي والاقتصادي أو بمساءلة الحكومة عن التزاماتها. لكنها ستواجه مشكلة، وهي أن المطلب اللبناني لا يتناقض مع هدف التفاوض المعلن. يصعب عليها تفسير سبب رفض وقف النار أو رفض جدول الانسحاب، خصوصاً إذا بقي لبنان ملتزماً بتنفيذ واجباته بعد بدء الانسحاب، وتحت إشراف آلية متفق عليها.
أما “إسرائيل”، فقد تحاول في البداية رفع مستوى التصعيد لإثبات أن تعليق التفاوض لا يوفر حماية للبنان. وقد تزيد الغارات والتهديدات، وتتهم بيروت بالخضوع لحزب الله وإيران. لكن التصعيد لا يحل المشكلة الإسرائيلية؛ بل يجعل بقاء الاحتلال هو السبب المعلن لفشل المسار، ويضع كلام كاتس عن البقاء بلا سقف زمني في مواجهة مباشرة مع الرواية الأميركية عن تسوية تقود إلى انسحاب تدريجي.
هنا تظهر حاجة “إسرائيل” إلى التفاوض قبل الانتخابات. يحتاج بنيامين نتنياهو إلى تقديم الاتفاق للبنية الانتخابية الإسرائيلية بوصفه إنجازاً: إبعاد حزب الله، فرض آليات تحقق، تغيير قواعد الجنوب، والحصول على اعتراف لبناني بمسار سياسي مباشر. أما موت التفاوض، فيعيد النقاش إلى السؤال الذي يحاول تجنبه: لماذا بقي الجيش في جنوب لبنان من دون اتفاق، وتحت أي سقف زمني، وبأي كلفة عسكرية وسياسية؟ كما يمنح المعارضة مادة للقول إن نتنياهو حوّل الإنجازات العسكرية المفترضة إلى احتلال مفتوح وحرب استنزاف بلا نهاية.
تحتاج واشنطن إلى نجاح المسار قبل انتخابات أيضاً. فقد بنت إدارة ترامب روايتها على قدرتها على إغلاق جبهات المنطقة بالتفاوض، بعد تعذر حسمها بالحرب. سقوط المسار اللبناني يعني سقوط نموذج تريد واشنطن استخدامه في غزة وفي تفاوضها مع إيران. وإذا عجزت عن إلزام “إسرائيل” بوقف النار والانسحاب، فكيف تقنع طهران بأنه لا ضرورة مع العودة إلى مذكرة التفاهم، إضافة إلى ملف إنهاء الحرب في لبنان؟
هذه هي ورقة القوة اللبنانيّة الأهم. فقد أعاد محسن رضائي لبنان وغزة إلى صدارة الشروط الإيرانية لفتح مضيق هرمز، مؤكداً أن إنهاء الحرب عليهما ليس بنداً ثانوياً. وتقول طهران إن واشنطن أخلّت بالتفاهم لأنها لم تضمن وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي. لذلك فإن استمرار التفاوض اللبناني، رغم القصف ورفض الانسحاب، يساعد واشنطن على الادعاء بأن المسار قائم وأن الوقت كفيل بمعالجة التفاصيل. أما تعليق لبنان مشاركته، فيسحب هذه الحجة ويضع القضية في صلب المفاوضات الأميركية الإيرانية: لا فتح طبيعياً لهرمز ما لم تتحمل واشنطن مسؤولية إلزام “إسرائيل”.
قد يخشى البعض أن يؤدي تعليق التفاوض إلى عودة الثقل كاملاً للمسار الإيراني، وكأن ذلك خسارة لبنانية. لكن العكس قد يكون صحيحاً. استمرار تفاوض عقيم هو الذي يسلم الورقة لإيران، لأنه يثبت عجز الدولة اللبنانية عن تحصيل وقف النار والانسحاب. أما اتخاذ موقف سيادي واضح، فيعيد للبنان جزءاً من المبادرة ويجعل إيران تدعم مطلباً لبنانياً معلناً، بدلاً من أن تتكلم باسم غياب الموقف اللبناني.
لا يعني ذلك تسليم القرار اللبناني لطهران أو استخدام لبنان ورقة في هرمز، بل العكس: استخدام هرمز لصالح لبنان. ويعني أن بيروت تدرك التقاء المصالح من دون أن تتنازل عن استقلال قرارها. هي تطلب وقف النار والانسحاب لأنها حقوق لبنانية، بينما تحتاج إيران إليهما لإنجاز تسويتها، وتحتاج واشنطن إليهما لفتح هرمز، وتحتاج “إسرائيل” إلى اتفاق يمنع تحول احتلالها إلى عبء انتخابي وأمني.
المشكلة، إذاً، ليست أن لبنان بلا أوراق، بل إن سلطته تتصرف أحياناً كأن امتلاك الورقة يتطلب امتلاك القوة العسكرية الأميركية أو الإسرائيلية. في التفاوض، تنبع القوة أيضاً من حاجة الأطراف الأخرى إلى توقيعك واستمرارك ومنعك إعلان الفشل. يملك لبنان القدرة على حرمان واشنطن و”إسرائيل” من صورة المسار الناجح، وعلى ربط عودته بشرطين مشروعين: وقف ثابت لإطلاق النار، وجدول ملزم للانسحاب.
فهل تدرك السلطة هذه الورقة، أم يستمر شعورها بالضعف في تحويل حاجات الآخرين إليها إلى إملاءات عليها؟ التفاوض الذي لا يستطيع لبنان تعليقه حتى يتوقف قتله وتُستعاد أرضه ليس تفاوضاً؛ بل تغطية سياسية لاستمرار الحرب والاحتلال.
الجواب هو أن هذه السياسة الضعيفة هي ثمرة الخيار الضعيف بالذهاب إلى التفاوض رغم وجود اتفاق كامل الأوصاف موقع من الطرفين الأميركي والإسرائيلي في 27-11-2024، من جهة طلباً للرضا الأميركي، ومن جهة مقابلة استقواءً بالاحتلال لابتزاز المقاومة وبيئتها بربط الوعد بإعادة الانتشار وليس الانسحاب، وعودة السكان وإعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة.