Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر August 13, 2026
A A A
لبنان أمام معركة الحريات!

كتب غسان ريفي:

لم يعد قانون الإعلام الجديد الذي أقره مجلس النواب مساء الثلاثاء الفائت مجرد مادة تشريعية خلافية يمكن أن تمرّ في زحمة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية التي يواجهها لبنان، بل تحوّل إلى عنوان لمعركة أوسع تتصل بجوهر الحياة الديمقراطية وبمستقبل الحريات الإعلامية في البلاد.

تطرح الطريقة التي أُقرّ بها القانون، بعد تفاهمات وملاحظات سُجلت خلال نقاشات سبقت الجلسة التشريعية، ثم عدم إدخال التعديلات التي حظيت بتوافق نيابي إعلامي، علامات استفهام حول مدى احترام السلطة التشريعية لتعهداتها وملاحظات أهل المهنة.

الأزمة لا تتوقف عند نصوص قانونية بعينها، ولا عند الاعتراض على عقوبة السجن أو التوقيف الاحتياطي في قضايا النشر أو تفريخ النقابات بهدف اضعاف نقابتا الصحافة والمحررين، بل تتصل بفلسفة القانون نفسه: فهل المطلوب تنظيم الإعلام وحماية المجتمع من التجاوزات، أم وضع قيود جديدة يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية؟ وهل الهدف من القانون تطوير مهنة الصحافة أم تدجينها وتعطيل العاملين فيها عن آداء رسالتهم؟.

لا شك في أن وضع الصحافي أمام احتمال التوقيف والسجن بسبب عمله المهني، وتحويل مخالفات النشر إلى جرائم، يفتح الباب أمام مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، ويضرب الدور الرقابي الذي يفترض أن تقوم به الصحافة في مواجهة السلطة ومساءلة المسؤولين وكشف مكامن الخلل والفساد.

وفي بلد يقوم نظامه الديمقراطي على التعددية السياسية والإعلامية، لا يمكن أن تكون الحريات فيه تفصيلاً ثانوياً.

فالصحافة ليست امتيازاً ممنوحاً من السلطة، بل إحدى ركائز الحياة العامة، وأي مساس بها ينعكس حكماً على حق المواطن في المعرفة وفي قدرته على محاسبة من يتولى الشأن العام.

من هنا، فإن المواجهة المفتوحة التي أعلنتها نقابتا الصحافة والمحررين قضائيًا وميدانيًا لا ينبغي أن تُقرأ كخلاف مهني أو نقابي مع السلطة، بل كجزء من معركة وطنية دفاعاً عن الحريات.

وعندما تلجأ النقابتان إلى القضاء والمجلس الدستوري، وتطالبان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بإعادة القانون إلى مجلس النواب، فإنهما تضعان السلطة أمام مسؤولية سياسية ودستورية تتجاوز حدود المهنة.

يمكن القول إن لبنان اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون قانون الإعلام مدخلاً إلى تطوير البيئة الإعلامية وحماية الصحافيين وتنظيم المهنة بما ينسجم مع الحريات العامة، وإما أن يتحول إلى سابقة تشريعية تفرض قيوداً إضافية على الكلمة وتفتح الباب أمام تراجع المساحة الديمقراطية إلى حدودها الدنيا.

لبنان في تاريخه السياسي والإعلامي شهد معارك كثيرة، لكن معركة الحريات تبقى من أخطرها، لأنها لا تدور فقط حول الصحافيين، بل حول حق اللبنانيين في أن يسمعوا ويقرأوا ويسألوا وينتقدوا ويحاسبوا.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس فقط إعادة النظر في مواد القانون وإدخال التعديلات المطلوبة، بل التأكيد أنه لا يمكن حماية السلطة بإضعاف الصحافة، ولا يمكن بناء دولة قوية من دون إعلام حر قادر على ممارسة دوره من دون خوف.

في نهاية المطاف، هي معركة الحريات في لبنان، ومعركة الصحافة التي انطلقت ولن تتوقف إلا مع إفساح المجال أمام اللبنانيين لممارسة حقهم في الحرية والديمقراطية.