Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر September 22, 2019
A A A
لبنان لا يمتلك ترف الوقت.. الحكومة أنجزت القليل من ورقة بعبدا والطريق طويل!
الكاتب: بروفسور جاسم عجاقة - الديار

التقارير السلبية التي نشرتها وكالات التصنيف الإئتماني وصندوق النقد الدولي، أدّت إلى تسريع إقرار ورقة بعبدا المالية الإقتصادية التي تمّ إظهارها على أنها ورقة خلاص للخروج من الأزمة (وهذا رأينا). وحرص المُشاركون في اجتماع بعبدا على إبراز أهمّية تطبيق هذه الورقة بالنسبة للبنان وللمسار الإصلاحي الذي تتبعه السلطة منذ تشكيل الحكومة والتي أظهر بيانها الوزاري على أنها حكومة إقتصادية مالية إصلاحية بامتياز.
إلا أن الوقائع على الأرض تُظهر تلكؤاً في تطبيق إصلاحات ورقة بعبدا المالية الإقتصادية التي نعتبرها ممرّاً أساسياً نحو برّ الأمان. هذا الأمر ليس بوجهة نظر، فقد نقل زوار رئيس الجمّهورية ميشال عون عتبه على تقصير الحكومة في القيام بإجراءات سريعة وهو الذي يعمل على اكثر من جبهة وفي مختلف الاتجاهات من اجل إنقاذ الوضع الاقتصادي.
مُقدّمة ورقة بعبدا نصّت في مقدّمتها على خطورة ودقّة الوضع الذي يمر به الوطن. وتقترح عدداً من الإجراءات »الأولية العاجلة لمعالجة الأزمة».
وفي وصفها للوضع الراهن وصّفت الورقة الوضع بأنه صعب جدا مع عجز في العام 2018 بقيمة 6.25 مليار دولار أميركي (أي 11.1% من إجمالي الناتج المحلي)، و«أملت» الورقة بخفضه إلى حوالى 4.5 مليار دولار مع اعترافها بصعوبة ذلك! كما وصّفت الورقة وضع الميزان التجاري (عجز بقيمة 16,65 مليار دولار أميركي في العام 2018) والحساب الجاري الخارجي (عجز بقيمة 12,44 مليار دولار أميركي في العام 2018).
وأسهبت الورقة في وصف النقاط السلبية في المالية العامّة مع تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تراجع التدفقات المالية من الخارج، زيادة صعوبة تمويل الدولة بالعملة الصعبة، ارتفاع مطرد في حجم الدين العام (أكثر من 150% من إجمالي الناتج المحلي)، ارتفاع أسعار الفائدة وانعكاسه السلبي على خدمة الدين العام وعلى الاقتصاد والاستثمار، ضعف معدل النمو الحقيقي (الذي قد يكون سلبيًا في نهاية العام 2019)، وتناقص تراكمي في صافي الموجودات الخارجية. واستخلصت أن النموذج الحالي للاقتصاد اللبناني والذي يعتمد بدرجة كبيرة في تمويله، على التدفقات الآتية من الخارج، لم يعد صالحًا!
والأهمّ أن الورقة استنتجت أنه في ظل هذا الواقع يتوجّب وضع إجراءات تهدف إلى: تصحيح المالية العامة وضبط الدين العام، معالجة الخلل في الحساب الجاري الخارجي، وبناء اقتصاد منتج تنافسي واحتوائي، يحقق نموا مستدامًا بمعدلات مرتفعة.
على هذا الأساس، تمّ وضع لائحة بالإجراءات الواجب القيام بها وتمّ تقسيمها إلى أربعة محاور يتضمّن كل محور لائحة شبه مفصّلة بما يجب القيام به من إجراءات. إلا أنه وبعد مرور أكثر من شهر ونيّف على إقرار ورقة بعبدا المالية، لم يطُبّق منها إلا القليل والقليل جدا! وهذا على الرغم من دقّة الوضع المالي والاقتصادي. وهنا نتساءل عن الأسباب الكامنة وراء التأخّر في تطبيق ورقة بعبدا المالية الاقتصادية وهي التي وُضعت في الأساس لمواجهة «وضع مالي دقيق»؟
الواضح أن توازن القوى السياسية الحالي لا يستطيع التعامل مع تغيّرات سريعة تفرضها الإجراءات المنصوص عليها في ورقة بعبدا تحت طائلة اندلاع أزمة سياسية بين القوى السياسية. لذا يتمّ التعامل مع الملفات بشكل متأنّ.
لكن ما الذي طبقته الحكومة حتى الساعة من ورقة بعبدا المالية الإقتصادية؟ الجواب هو «تقريبا لا شيء»!
} السياسة المالية }
في محور السياسية المالية، تقترح ورقة بعبدا المالية الاقتصادية لائحة (هي الأطول) من الإجراءات بهدف تدارك الوضع المالي العام الذي يُعاني من ارتفاع مُفرط في الإنفاق وتراجع في الإيرادات مما يُسبّب عجزًا مزمنًا يترافق مع صعوبة وصول الدولة إلى أسواق التمويل بكلفة معقولة.
وعدت ورقة بعبدا بإقرار موازنة العام 2020 في مواعيدها الدستورية، وبالفعل رفع وزير المال مشروع الموازنة الذي تعمل على دراسته الحكومة. إلا أن المخاوف هي أن تتكرّر تجربة موازنة العام 2019 مع عشرات الجلسات التي تمتدّ على أكثر من شهر وهو ما يُخالف ورقة بعبدا.
كما وعدت ورقة بعبدا بتخفيض العجز إلى نسبة 6.5% كحدّ أقصى في موازنة العام 2020، إلا أن المشروع الذي قدّمه الوزير علي حسن خليل يحوي على عجز (على الورق) بنسبة 7.38% وهو أعلى مما هو منصوص عليه في ورقة بعبدا. إلا أن وزير المال لم يضع أي ضرائب في هذا المشروع، لذا يُمكن القول ان فرض رسوم وضرائب (إذا ما أقرّ) قدّ يُخفّض هذا العجز إلى المنشود. لكن الصعوبة هي في عجز الكهرباء حيث نصّت الورقة على سلفة 1500 مليار ليرة لبنانية، وهذا ما يطرحه مشروع موازنة 2020. وهنا تبرز مشكلة مع مطالبة بعض الوزراء برفع قيمة السلفة، مما سيزيد حتما نسبة العجز!
وعلى الرغم من ذكر ورقة بعبدا، خفض الإنفاق الجاري (المساهمات والمساعدات خارج القطاع العام، والمواد والخدمات الاستهلاكية في الموازنة وخدمة الدين العام) وزيادة الايرادات (تحسين الجباية ومكافحة التهرب الضريبي، ومكافحة التهريب الجمركي والإثراء غير المشروع، وإصلاح النظام الضريبي، وتحصيل المتأخرات المتراكمة على المكلفين)، إلا أن هذا الأمر لم يتمّ حتى الساعة.
أيضا تنص ورقة بعبدا على اعتماد سياسة «الموازنة المتوازنة» بين الايرادات العامة العادية والنفقات العامة (باستثناء النفقات الاستثمارية) وذلك بصورة تدريجية وصولا الى التوازن التام في العام 2022. إلا أن هذا المبدأ ما زال خجولا كما تُظهره الإجراءات المُتّخذة في مشروع موازنة العام 2020 خصوصا إذا ما تمّ اعتماد مبدأ المحاصصة في تخفيض الإنفاق!
أمّا في ما يخصّ التحويلات لمؤسسات كهرباء لبنان التي تعهّدت ورقة بعبدا بسقف لا يزيد عن 1500 مليار ليرة، نرى أن هذا السقف لن يتمّ احترامه. إلا أنه من الظاهر أن بعض النقاط التي تعهّدت بها ورقة بعبدا تسير على السكّة الصحيحة مثل إزالة التعدّيات على الشبكة، ومتابعة تنفيذ الخطة (مباشرة من الرئيس الحريري).
أيضا نصّت الورقة على إجراء مناقصات عمومية عالمية لشراء المحروقات لمؤسسة كهرباء لبنان، ضمن دفتر شروط متكامل، يعتمد أعلى معايير الشفافية. هذا الأمر لم يتمّ ولا يوجد (بحسب ما لاحظّنا) أيّ إجراءات في مشروع موازنة 2020 بخصوص هذا الأمر، مع العلم أن أسعار النفط تتجه إلى الارتفاع بعد الهجوم على المنشآت النفطية في السعودية.
من بين الإجراءات التي طرحتها الورقة، رفع حصة المشاريع الاستثمارية الممولة من خلال قروض خارجية ميسرة بعد دراسة جدواها المالية أو بالاشتراك مع القطاع الخاص. هذا الأمر لم يتمّ تنفيذه بعد والاعتماد الأساسي على مشاريع سيدر التي تنتظر تحرير أموالها خصوصًا مع زيارة الرئيس سعد الحريري إلى فرنسا. هذه الأخيرة التي تبقى غير راضية عن وتيرة الإصلاحات فرضت (بحسب المعلومات) تقديم خطوات جدّية خلال شهرين لمقرضي مؤتمر سيدر.
كما اقترحت ورقة بعبدا تجميد زيادة الرواتب والأجور، لمدة ثلاث سنوات، زيادة الحسومات التقاعدية من 6% الى 7% للعاملين في القطاع العام، زيادة الرسوم على السجائر، اعتماد ثلاثة معدلات للضريبة على القيمة المضافة، وضع حد أدنى وحد أقصى لأسعار البنزين، زيادة الضريبة على دخل الفوائد من 10% ال 11%، وجعلها دائمه، وإعادة النظر بتخمين الأملاك العمومية البحرية، واتخاذ الاجراءات القانونية لتحصيل أموالها، إضافة الى إخضاع هذه الأملاك للضريبة على الأملاك المبنية. إلا أن قرارة مشروع الموازنة ومراقبة القرارات الحكومية تدلّ على أن أيا من هذه الإجراءات لم تتخذ، لكن هناك احتمال لزيادتها في موازنة العام 2020.
فرض ضرائب، أرباح مرتفعة على الامتيازات والأنشطة المضرة بالبيئة وعلى الاحتكارات، ومراجعة كل الإعفاءات الضريبية، اقتراحات وردت في ورقة بعبدا، إلا أن ما تمّ القيام به هو خطّة لوزارة البيئة تتضمّن ضرائب على الأنشطة المُضرّة بالبيئة بقيمة 400 مليون دولار أميركي.
أيضا نجد بين الاقتراحات المالية ، تشكيل لجنة لإصلاح النظام التقاعدي ونهاية الخدمة في القطاع العام، ملء الشواغر في ديوان المحاسبة وتفعيل دوره، إعادة النظر بالنظام الضريبي وإقرار الضريبة التصاعدية، استكمال العمل على لجم التهرب الضريبي، مواصلة خطة مكافحة التهريب، توحيد قواعد المعلومات والبيانات بين وزارة المالية والضمان الاجتماعي، القيام بإصلاح جذري وفوري للمؤسسات والمجالس والهيئات العامة وتشديد الرقابة عليها بما في ذلك عمليات التلزيم والتوظيف، تشديد الرقابة على كل مؤسسة تستفيد من المال العام، العمل على تقليص حجم الدين العام، تشركة مؤسسات عامة، الحكومة الإلكترونية، إلا ان أيا من هذه الاجراءات لم يُنفّذ حتى الساعة باسثتناء بعض المؤسسات التي تمّ اقتراح مصادقة وزارة المالية على موازناتها!
} السياسة الاقتصادية }
إقترحت ورقة بعبدا في محورها السياسة الاقتصادية، تحفيز زيادة الإنتاج من خلال تطوير إنتاج السلع والخدمات مع الحرص على حماية البيئة، اعتماد التكنولوجيا بشكل مكثف ومطرد، تحفيز مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي، خلق فرص عمل جديدة للبنانيين، الإسراع في مناقشة دراسة ماكينزي، إصلاح نظام الدعم، المباشرة في تنفيذ المشاريع الضرورية من برنامج الاستثمارات العامة (سيدر)، انجاز خطة الكهرباء ومشاريع الصرف الصحي، إقرار خطة مستدامة لإدارة النفايات الصلبة، إقرار نظام نقل عام، شبكة طرق محدثة وقطارات وباصات وترامواي، وعبر النقل البحري والنقل الجوي، تنفيذ الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، تفعيل مؤسسة إيدال، إقرار قانون حديث ومتطور للصفقات العمومية ووضعه فورا موضع التنفيذ، إنجاز الشباك الموحد، إتخاد الإجراءات الرامية إلى تطوير الأسواق المالية، تطوير قطاع التامين، إنجاز قانون الشركات المتناهية الصغر، الصغيرة والمتوسطة، قانون المنافسة، قانون حماية المؤشرات الجغرافية، مشروع قانون إنشاء وكالة تنمية الصادرات اللبنانية، قوانين عائدة لحماية الملكية الأدبية والفنية، مشروع قانون استعادة الأموال المنهوبة.
في الواقع، من هذه اللائحة الطويلة لم يتمّ القيام إلا بتعيين رئيس ومجلس إدارة لإيدال، وإقرار قسم من خطّة وزارة البيئة للنفايات الصلبة. وقد يكون هناك عمل بالكواليس على هذه النقاط، إلا أن قرارات الحكومة هي المعيار الوحيد الذي يُمكن الأخذ به.
} معالجة الخلل في ميزان المدفوعات }
هي خمسة إجراءات اقترحتها ورقة بعبدا على هذا الصعيد : التركيز على تصدير الخدمات التي يتمتع بها لبنان بمزايا تنافسية، تشجيع الصادرات، تأمين الجو السياسي الملائم والمستقر، تسريع عمليات التشركة في مشاريع البنى التحتية لاستقطاب الأموال، ومتابعة تطبيق المواد الواردة في اتفاقيات التجارة التي انضم إليها لبنان. إلا أن ما تمّ تحقيقه من هذه الإجراءات هو تأمين جو سياسي هادئ نوعًا ما (وهذا أمر أساسي).
} السياسة الاجتماعية }
أقرّت ورقة بعبدا عددا من الإجراءات التي تهدف إلى زيادة الأمن الاجتماعي: إقرار نظام تقاعد وحماية اجتماعية لجميع اللبنانيين في غضون ستة أشهر الى سنة، إقرار نظام التغطية الصحية الشاملة لجميع اللبنانبين المقيمين في لبنان، استكمال مكننة جميع عمليات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وضع سياسة إسكانية، تقوم على مبدأ الحق في السكن. أيضا لم يتمّ القيام إلا بعدد قليل من الخطوات زيادة في إعتمادات وزارة الصحة في موازنة 2020، بالإضافة إلى خطّة إسكانية أعدّتها مؤسسة الإسكان ولم تُقرّها بعد الحكومة.
مما تقدّم نرى أن ما أنجزته الحكومة من ورقة بعبدا قليل جدا والطريق ما زال طويلا ولبنان لا يمتلك ترف الوقت. وقد تكون هذه الأسباب هي التي دفعت برئيس الجمهورية إلى القول أمام زواره بأنه غير راض على وتيرة العمل الحكومي.