Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر July 4, 2026
A A A
كيف فشلت محاولة فصل الجبهات ونجحت المقاومة في منع «حرية الاعتداء» الإسرائيلية
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع المواجهة الإقليمية الشاملة، لا تزال الذهنية السياسية والعسكرية في تل أبيب تحاول جاهدة تسييل تفوقها التدميري إلى مكاسب جيوسياسية مستدامة. غير أنّ التدقيق في ديناميات الميدان الملتهب في جنوب لبنان، وفي ما يتسرّب بين السطور في أعمدة الصحافة العبرية، يكشف عن اصطدام الاستراتيجية “الإسرائيلية” بحائط مسدود والعجز عن فرض معادلاتها المستحدثة، ويحيل “اتفاق 26 حزيران الإطاري” من وثيقة تحوّل ما تضمّنته من اشتراطات اسرائيلية، إلى مادة معقدة التنفيذ تحت النار.

يمكن قراءة هذا الاستعصاء “الإسرائيلي” وفشل طموحات الاحتلال من خلال محورين أساسيين؛ يرتبط أولهما بتبدّد وهم فصل الساحات، ويتعلق ثانيهما بنجاج المقاومة في إسقاط محاولة العدو الصهيوني فرض قواعد اشتباك أحادية الجانب في جنوب لبنان.

 

أولاً: تفجير قواعد الاشتباك البديلة

الميدان يحمي السيادة…

حاولت حكومة الاحتلال، مستندة إلى التفاهمات الأخيرة، إرساء ديناميكية ميدانية جديدة؛ قوامها منح جيشها المحتلّ “حرية الحركة والعمل العسكري” داخل الأراضي اللبنانية بذريعة تثبيت الواقع الأمني، وتجريف القرى الحدودية، ورسم ما يُشبه “الخط الأصفر” العازل. وتوهّم صانع القرار في تل أبيب أنّ هذه الانتهاكات الممنهجة لوقف إطلاق النار ستمرّ دون أثمان باهظة، بفعل الإنهاك العام وتدمير البنى التحتية.

جاء الردّ العملياتي للمقاومة في بلدات الجنوب المحتلة، ولا سيما الكمائن النوعية الأخيرة في بنت جبيل والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف قوات الاحتياط “الإسرائيلية”، ليمثل ترجمة دقيقة وحاسمة لقرار قيادة المقاومة: “لن يُسمح بالعودة إلى ما قبل الثاني من آذار”.

وقد عبّرت الصحافة “الإسرائيليةّ عن الإحباط من خلال اعترافها ضمنياً بهذه الحقيقة؛ فالكمائن المستمرة أثبتت للاحتلال أنّ المقاومة لم تفقد منظومتها القيادية وتكيّفها التكتيكي، وأنّ سلاحها حاضر وفعّال ويمتلك زمام المبادرة الدفاعية. لقد أسقطت النار الميدانية الرهان “الإسرائيلي” على تحويل الاتفاق الإطاري إلى صكّ استسلام ينتزع بالسياسة والمفاوضات ما عجز الجيش عن تحقيقه في ذروة الاجتياح البري، مؤكدة أنّ كلفة البقاء أو التوغل في القرى اللبنانية ستكون استنزافاً بشرياً وعسكرياً لا تطيقه الجبهة الداخلية الإسرائيلية المنهكة.

 

ثانياً: معضلة الدوحة

وسقوط وهم التفكيك الجغرافي

بالتوازي مع الإخفاق الميداني، يسجل المحور الدبلوماسي فشلاً “إسرائيلياً” ـ أمريكياً آخر يتصل بمحاولة “التفكيك الجغرافي” للملفات. لقد سعت واشنطن وتل أبيب طويلاً إلى عزل الجبهة اللبنانية، ومحاولة إنجاز ترتيبات منفصلة على جبهة لبنان تمنح المستوطنين أماناً مجانياً وتفك ارتباط الجبهة عن مسار إسلام آباد ـ جنيف وعن الحراك الإقليمي الأوسع. لكن هكه المحاولة التي تمثلت في فرض الاتفاق الإطاري مع لبنان، سرعان ما أفشلتها إيران في مفاوضات الدوحة قبل أيام…

لقد أثبتت مجريات الأمور اليوم أنّ هذا الفصل قد سقط بنيوياً؛ نتائج مفاوضات الدوحة، التي أعادت تثبيت بند إنهاء الحرب على جبهة لبنان والانسحاب “الإسرائيلي” ولجنة رقابة للتأكد من التنفيذ، جاء بعدما أوقفت طهران بدء الانتقال الى المرحلة الثانية من المفاوضات المعنية بالملف الإيراني وتفاهماته الإقليمية، قبل تتفيذ البند الأول من مذكرة التفاهم.. مما انعكس تلقائياً جموداً وشللاً على الاتفاق الإطاري في لبنان. لذلك تدرك تل أبيب عبر كُتّابها أنّ واشنطن تدير تفاوضاً شائكاً على إيقاع استراتيجية “العصا والجزرة”، حيث تتداخل ملفات أمن الملاحة في الخليج والترتيبات الأمنية في الجنوب اللبناني في سلة واحدة غير قابلة للتجزئة من الجانب الايراني. وبالتالي، فإنّ أيّ انهيار أو تسويف او محاولة فصل جبهة لبنان عن المسار الأميركي ـ الإيراني يحوّل “اتفاق الإطار” اللبناني ـ “الإسرائيلي” ـ الأميركي إلى سراب، لعدم إمكانية صياغة تسوية مستقرة على حساب لبنان.

بناءً على المشهدين الميداني والدبلوماسي، يمكن تسجيل الخلاصات الاستراتيجية الحاكمة للمرحلة الحالية:

الخلاصة الأولى، فشل فصل المسارات الإقليمية: يسجل العجز الدبلوماسي الحالي فشلاً ذريعاً للمساعي الإسرائيلية والأميركية الهادفة إلى فصل المسار اللبناني عن مسار (جنيف ـ إسلام آباد ـ الدوحة). لقد تكرّست وحدة الساحات سياسياً ودبلوماسياً كما تكرّست عسكرياً؛ فلا يمكن لتل أبيب أن تحصد هدوءاً مستداماً في الشمال عبر “اتفاقيات جزئية” معزولة عن التوصل إلى تسوية شاملة تحترم شروط الإقليم وتنهي العدوان كلياً.

الخلاصة الثانية، سقوط القواعد الأحادية وحرية الاعتداء: تأكد بشكل قاطع فشل الاحتلال في فرض قواعد اشتباك تتيح له استباحة الأجواء والأراضي اللبنانية دون ردع. إن عمليات المقاومة الفعالة والمنظمة عقب كلّ انتهاك، أعادت صياغة التوازن؛ فإما التزام إسرائيلي دقيق ومتبادل بوقف النار والانسحاب الكامل، وإما الغرق في مستنقع استنزاف بري باهظ التكلفة البشرية والمادية لجيش الاحتلال.

الخلاصة الثالثة، السيادة تُنتزع بالنار لا بالخضوع للإملاءات: الخلاصة الأعمق هي أنّ قرار المقاومة بعدم العودة إلى ما قبل 2 آذار قد تحوّل من شعار سياسي إلى حقيقة ميدانية محمية بالنار. هذا الواقع يجبر الوسطاء الدوليين وصنّاع القرار في تل أبيب على الإقرار بأنّ الاتفاق الإطاري لن يمرّ كأداة إملاءات، وأنّ استمرار الاستنزاف في جنوب لبنان والشمال سيبقى المانع الأساسي لعودة المستوطنين ما لم تنكفئ قوات الاحتلال خلف الحدود وتحترم إسرائيل السيادة اللبنانية كاملة…