Beirut weather 25.21 ° C
تاريخ النشر June 15, 2026
A A A
قصف الضاحية يضع الكرة في ملعب ترامب: كبح جماح نتنياهو أم تفجير اتفاق التفاهم؟
الكاتب: حسن حردان

كتب حسن حردان في البناء 

بعد إقدام رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بإطلاق نار مباشر على اتفاق التفاهم الأميركي الإيراني عشية التوقيع عليه، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب انّ هذا القصف على الضاحية ما كان يجب أن يحصل، وأنه ينبغي وقف الهجمات الإسرائيلية في كلّ لبنان…

فيما الرئيس الإيراني بزشكيان أكد انّ قرار مجلس الأمن القومي هو المعيار المعتمَد وقد توصّل الى انّ مصلحة إيران بمواصلة مسار المفاوضات…

لكن عقلية “إسرائيل” لا تفكر بعقلية ترامب فهي تتمرّد على ترامب ولا تريد الاصطدام به، قد توقف التصعيد لكنها لا تريد ان تتوقف تماماً، ويبدو انّ نتنياهو صعّد في كلّ الجبهات في لبنان وسورية والضفة وغزة، وأنه لن يقبل بتقييد يد “إسرائيل” وحرية حركتها.. ويعتبر مجرد حصول اتفاق مع إيران هو خسارة لـ “إسرائيل” .. في وقت واجه نتنياهو هجمات واتهامات من معارضيه في الداخل بانه رهَن القرار “الإسرائيلي” بيد ترامب الذي همّشه وأظهره بأنه ليس له أيّ تأثير في ما يحصل، وأن “إسرائيل” مجرد تابع وهي عبارة عن مستعمرة أميركية.

والأسئلة التي تطرح في ضوء ما تقدّم هي:

ـ هل انّ التصعيد “الإسرائيلي” سوف يؤدي الى تخريب الاتفاق وعرقلة توقيعه، خاصة أنّ مقرّ خاتم الأنبياء في إيران قال إنّ جرائم الصهاينة لا يمكن أن تمرّ دون ردّ.

ـ وهل سيتمكن ترامب من إلزام “إسرائيل” بالاتفاق، وهو شرط إيراني أساسي؟

ـ وماذا يعني ان يتمكن ترامب من إلزام نتتياهو في نهاية الأمر؟

ـ وكيف سينعكس ذلك على الداخلين الإسرائيلي واللبناني، اتفاق يوقف الحرب ويمهّد لمفاوضات للتوصل لاتفاق شامل؟

لذلك يبدو ان الكرة في ملعب ترامب وقدرته على إلزام حليفه المتمرّد نتنياهو ويضع حداً لمحاولاته الدؤوبة لتفجير الاتفاق؟

أولاً: هل يؤدي التصعيد الإسرائيلي إلى تخريب الاتفاق وعرقلة توقيعه؟

نتنياهو يدرك أنّ توقيع اتفاق شامل بين واشنطن وطهران يعني نهاية مشروعه لتغيير الشرق الأوسط بالقوة العسكرية، وتحجيم دور “إسرائيل” الإقليمي. لذلك، فإنّ قصف الضاحية والتصعيد المتزامن في سورية والضفة الغربية وغزة هو محاولة واضحة لـ “تخريب الاتفاق بالدم” واستدراج طهران أو حلفائها إلى ردّ واسع يُحرج إدارة ترامب ويفرض عليها العودة إلى مربع المواجهة.

 

ومع ذلك، فإنّ تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأّن المصلحة تقتضي مواصلة التفاوض، يعكس وعياً إيرانيّاً بهذا الفخ. لذلك يبدو انّ طهران تحاول فصل المسارين:

المسار الدبلوماسي: المضيّ فيه لتخفيف الضغوط واختبار مدى جدية ترامب.

المسار الميداني: الاحتفاظ بحق الردّ (كما أشار مقرّ خاتم الأنبياء) لكن بطريقة “محسوبة ومدروسة” لا تمنح نتنياهو الذريعة التي يبحث عنها لتفجير الطاولة بالكامل، وتمنعه من محاولة فرض معادلة فصل المسارات، والاحتفاظ بحرية الحركة التي كانت سائدة قبل 2 آذار.. وترفض المقاومة في لبنان العودة اليها.

الخلاصة هنا: التصعيد سيعرقل ويبطئ المسار، لكنه قد لا ينجح في تفجيره نهائياً إذا أصرّت واشنطن وطهران على المضيّ فيه.

ثانياً: هل سيتمكن ترامب من إلزام “إسرائيل” بالاتفاق (الشرط الإيراني)؟

ترامب ليس رئيساً تقليدياً، وهو يرى في نفسه “صانع صفقات”، ولا يحب أن يظهر بمظهر العاجز أمام حليف، خاصة بعد إعلانه الصريح بأنّ قصف الضاحية ما كان يجب أن يحصل.

ترامب يمتلك أوراق ضغط هائلة على “إسرائيل” (عسكرية، مالية، ودبلوماسية في مجلس الأمن). لكن قدرته على الإلزام تعتمد على توقيت وكيفية استخدام هذه الأوراق. نتنياهو يراهن على اللوبي المؤيد له في واشنطن وعلى صقور الحزب الجمهوري للالتفاف على ضغوط ترامب. ومع ذلك، إذا شعر ترامب أنّ نتنياهو يهدّد استراتيجيته الكبرى ويعرّض الهيبة الأميركية للإهانة، فإنه سيمارس ضغوطاً خلف الكواليس قد لا تستطيع الحكومة الإسرائيلية تحمّلها، خصوصاً أنّ “إسرائيل” استنزفت الكثير من مخزونها العسكري والمالي وهي بحاجة ماسّة الى هذا الدعم الأميركي.

ثالثاً: ماذا يعني أن يتمكن ترامب من إلزام نتنياهو في نهاية الأمر؟

إذا نجح ترامب في كبح جماح نتنياهو وإجباره على السير في خطة التهدئة، فإنّ ذلك سيعني تحوّلاً استراتيجياً كبيراً:

أولاً: تكريس مفهوم أنّ “إسرائيل”، رغم قوتها العسكرية، تظلّ محكومة بالسقف الأميركي ولا يمكنها خوض حروب وجودية أو إقليمية مستدامة دون ضوء أخضر كامل من واشنطن.

ثانياً: سقوط نظرية “النصر المطلق” التي روّج لها نتنياهو، والاعتراف بفشل أهداف الحرب وبأنّ الدبلوماسية والتسويات هي المخرج الوحيد من حرب الاستنزاف المكلفة.

ثالثاً: إرساء قواعد اشتباك جديدة في المنطقة ترعاها واشنطن وموسكو وقوى إقليمية، تعتمد على احتواء الأزمات بدلاً من تفجيرها.

رابعا: كيف سينعكس ذلك على الداخلين الإسرائيلي واللبناني؟

أولاً: في الداخل الإسرائيلي:

الخضوع لترامب ستكون له ارتدادات زلزالية على حكومة نتنياهو:

تعميق الاتهامات بالتبعية: ستزداد حدة هجمات المعارضة (مثل لبيد وغانتس) التي ستتهم نتنياهو بأنه “قزّم” “إسرائيل” “وحوّلها إلى مجرد مستعمرة تنفذ الأوامر الأميركية دون تحقيق أهدافها الأمنية.

تصدّع الائتلاف الحاكم: اليمين المتطرف (بن غفير وسموتريتش) قد يرى في أيّ اتفاق “استسلاماً”، مما قد يهدّد بفرط العقد الحكومي والذهاب إلى انتخابات مبكرة يخشاها نتنياهو.

ثانياً: في الداخل اللبناني:

وصول ترامب إلى فرض اتفاق لوقف الحرب يمهّد لمفاوضات شاملة سيكون بمثابة مكسب للبنان وتعزيز لموقف مقاومته التي صمدت وأحبطت أهداف العدوان الصهيوني البري وأغرقت جيش الاحتلال في حرب استنزاف غير مسبوقة:

ميدانياً واقتصادياً: سيتوقف نزيف الدم والدمار، وتبدأ مرحلة التقاط الأنفاس وإعادة الإعمار، وعودة النازحين وإطلاق الأرى وهو ما يحتاجه لبنان بشكل عاجل.

سياسياً: الانتقال إلى مفاوضات شاملة سيفتح ملفات مؤجلة بضمانات دولية، مثل تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته، وخصوصاً الانسحاب “الإسرائيلي” الكامل من لبنان، وتثبيت الحدود البرية، ومعالجة النقاط المتنازع عليها. هذا المناخ قد يدفع أيضاً باتجاه تسوية سياسية داخلية، قد تؤدي الى استقالة حكومة سلام وتشكيل حكومة جديدة.

انطلاقاً مما تقدّم: الكرة الآن بالكامل في ملعب ترامب. نتنياهو يلعب في “الوقت الضائع” ويحاول فرض وقائع ميدانية لرفع سقفه التفاوضي قبل الانصياع الحتمي. الاختبار الحقيقي ليس في رغبة ترامب بالهدوء، بل في “الإرادة السياسية” التي سيمارسها لكسر التمرّد الإسرائيلي، وإثبات أنّ القرار الأول والأخير في الشرق الأوسط لا يزال يُصنع في البيت الأبيض…