Beirut weather 29.65 ° C
تاريخ النشر April 15, 2026
A A A
قرار السلطة بالتفاوض واتفاق 17 أيار
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

يركز رئيسا الجمهورية والحكومة في خطاب كل منهما وفي خطاب الحكومة مجتمعة على أن قرار التفاوض لا يهدف إلى اتفاق سلام مع “إسرائيل”، باعتبار أن خطوة من هذا النوع تتوقّف لبنانياً على خطوات عربيّة مشتركة يريد لبنان أن يكون جزءاً منها، ممتنعاً عن أي اتفاق سلام خارج سياق عربي عام، أو أي خطوة تطبيعيّة مع كيان الاحتلال خارج سياق عربي مماثل. ويعتقد مؤيّدو التوجّه التفاوضي للحكم والحكومة أن هذا التعهّد شيء عظيم يضع الخطوة التفاوضيّة خارج نموذج 17 أيار. وفي ذلك مجافاة للحقيقة والواقع وظلم للرئيس السابق أمين الجميل ومعه لاتفاق 17 أيار، حيث كان الرئيس الجميل ومعه الاتفاق يقومان على معادلة تفادي التحوّل إلى معاهدة سلام، أو إلى اتفاقية تطبيع، لكن كما اتفاق 17 أيار سوف يكون أي اتفاق ناجم عن هذه المفاوضات، معاهدة سلام بتعابير مخفّفة واتفاقية تطبيع مموّهة.

نص اتفاق 17 أيار 1983 صراحةً على إنهاء حالة الحرب بين لبنان و”إسرائيل”، لكنه تجنّب استخدام كلمة “معاهدة سلام” (Peace Treaty) بشكل مباشر، واصفاً نفسه بأنه “اتفاق حول الانسحاب والترتيبات الأمنية”، وهو التوصيف الذي لن يجد أفضل منه جماعة التفاوض المباشر اليوم، وقد جهد الرئيس الجميل في تسويق الاتفاق بصفته اتفاق انسحاب وترتيبات أمنية لا معاهدة سلام، وبذلك يمكن علمياً وسياسياً وصف الاتفاق الذي تسعى إليه السلطة اللبنانية بأنه نسخة جديدة من اتفاق 17 أيار، رغم السعي إلى تصوير عدم القبول بمعاهدة سلام انتصاراً وطنياً، كما فعل الرئيس الجميل عام 1983.

بدلاً من النص على اعتراف لبنان بحق “إسرائيل” بالوجود نصت المادة الأولى من اتفاق 17 أيار 1983 على أن الطرفين يتعهدان باحترام سيادة واستقلال وسلامة أراضي كل منهما، والاعتراف بالحدود الدولية القائمة، وبدلاً من نص واضح عن تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” تضمّن الاتفاق ملحقاً يدعو لتشكيل “لجنة اتصال مشتركة” لتنظيم انتقال الأفراد والبضائع. وتحت عنوان انسحاب بلا تنازل عن السيادة، ربطت “إسرائيل” انسحابها بانسحاب القوات السورية من لبنان، وهي تربط اليوم انسحاباً مماثلاً بنزع سلاح المقاومة، ومثلما تطلب “إسرائيل” منطقة عازلة تحت سيطرتها الكاملة، وحق التحرك وحرية الملاحقة في منطقة تمتد إلى نهر الليطاني وربما إلى نهر الأولي، أنشأ اتفاق 17 أيار 1983 عبر ملحق أمني، المنطقة الأمنية (Security Region) – “منطقة الرقابة والقيود المشددة” وهي المنطقة الأكثر حساسية، وتمتد من الحدود الدوليّة شمالاً حتى خط جغرافي يصل لعمق 45 كيلومتراً تقريباً (شملت مناطق صور، النبطية، وحاصبيا). ونصّ الاتفاق على إنشاء “لجنة الترتيبات الأمنية” التي تضمّ ضباطاً إسرائيليين ولبنانيين بمشاركة أميركية. كما كان لـ”إسرائيل” الحق في القيام بجولات تفتيشية والتحقق من أي “خرق” أمني. وتقرّر إنشاء مركزين دائمين ل التحقق والمراقبة (في حاصبيا وميفدون) يتواجد فيهما عسكريون إسرائيليون بانتظام. ومُنع لبنان من وضع رادارات متطوّرة، وصواريخ مضادة للطائرات، ومدافع بعيدة المدى في هذه المنطقة الممتدة حتى نهر الأولي بينما مُنع في سائر مناطق لبنان إنشاء رادارات تكون موجّهة جنوباً، بما في ذلك تلك المخصّصة لأغراض الملاحة المدنيّة.

الطلبات الإسرائيلية اليوم تشبه تلك الطلبات من مفاوضات اتفاق 17 أيار، سواء طلب معاهدة سلام أو التطبيع، وسبق أن تمّ تقديم تفاديها إنجازاً وطنياً كبيراً وهو ما يتمّ اليوم وسوف يتمّ عند التوصل إلى اتفاق لا يتضمن هذه الطلبات، لكن في الحالة الراهنة تكون “إسرائيل” قد حصلت على ما تريده فعلا كما حصلت عليه في اتفاق 17 أيار، حيث التزمت السلطة اللبنانية يومها وسوف تلتزم السلطة اليوم بمثلها، بمكافحة وملاحقة وتفكيك كل مجموعات شبه نظاميّة وغير نظاميّة تناصب “إسرائيل” العداء، أو تنوي تنظيم أعمال تنال من أمن “إسرائيل” أو من قواتها، وهي صورة تمّ تنفيذها في الضفة الغربيّة وفقاً لاتفاقيات أوسلو، التي تشكل مع الخبرة الناتجة عن تطبيقها زاداً جديداً لجيش الاحتلال لم يكن متوفراً عند مفاوضات اتفاق 17 أيار.

المقدّمات التي تسوّقها السلطة اليوم لتبرير تفاوض من أجل “الانسحاب وترتيبات أمنية”، هي المقدّمات ذاتها التي تضمّنها خطاب السلطة عام 1982 و1983 لتبرير التفاوض وصولاً لتوقيع اتفاق 17 أيار، وجوهرها يقول بلا جدوى الرهان على الحرب والمقاومة، والتذرّع بحجم الخسائر وغياب سياق عربي يتيح المواجهة، والحديث المبالغ به عن أهمية الدعم الأميركي وصدقية هذا الدعم في الحرص على السيادة اللبنانية، ولكن الفارق أنه كان لهذه المقدّمات درجة أعلى بكثير من المصداقية مع اتفاق 17 أيار، حيث كانت “إسرائيل” تحتل لبنان حتى عاصمته، وكانت المقاومة مجرد مولود ناشئ ليست لديه تجربة تثبت جدوى الرهان على هذا الخيار، كما قال التحرير عام 2000، بحيث كان يبدو أن خيار التفاوض والاتفاق هو مجرد خيار سياسيّ براغماتيّ عام 1983، يستند إلى شبه حصرية لمصلحته بين الخيارات الواقعية، وإلى أن حجم الضرر الناشئ عن حجم الاحتلال أكبر بكثير من أي مخاطر تنتج عن التفاوض والاتفاق، بينما تبدو اليوم كل الوقائع معاكسة له ويبدو الإصرار عليه ترجمة لخيار عقائدي أكثر مما هو خيار سياسي، بما في ذلك الاستعداد للمخاطرة بالنتائج الكارثيّة للصدام الذي يؤسس له بين السلطة والمقاومة، تعبيراً عن هذا البعد العقائدي غير المفهوم؟

الأكيد أن ما نحن بصدده هو نسخة من مفاوضات اتفاق 17 أيار، والأكيد أن الرئيس أمين الجميل كان معذوراً أكثر مما هي السلطة اليوم، مع ملاحظة دستوريّة تحتاج للفحص بخصوص صلاحيّة رئيس الجمهورية بالتفاوض على المعاهدات الدوليّة، ومدى انطباقها على صلاحيّة هذا التفاوض مع تصنيف “إسرائيل” عدواً في الدستور اللبنانيّ، وهو ما لم يكن قائماً في مفاوضات اتفاق 17 أيار، وما يستدعي في حالة اليوم إجازة خاصة بنص دستوريّ تمنح رئيس الجمهورية صلاحيّة خاصة ومشروطة موضوعاً وزماناً للتفاوض مع العدو، وتمنح معه الحصانة القانونية للموظفين الذي يكلفهم بالاتصال بالعدو من الملاحقة بجرم الاتصال؟