Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر July 4, 2026
A A A
قراءة في «سِفر» زيارة الشيباني
الكاتب: جوزف القصيفي

كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة في الجمهورية 

 

كانت زيارة وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني إلى لبنان حدثاً مهمّاً، وخطوة إيجابية. وهي الزيارة الأولى لشخصية سورية رسمية بهذا المستوى الرفيع إلى بيروت بعد سقوط نظام بشار الأسد. مراجعجغرافية

 

الشيباني أكّد أمام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن دمشق لن تتورّط في أي مواجهة مع لبنان، ولن تُلبّي طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب “حزب الله” أو المشاركة في نزع سلاحه بالقوّة. وإنّها تحترم سيادة لبنان ولن تجنح الى ما وقع فيه النظام السابق وأدّى الى ما أدّى اليه من تداعيات وهي على استعداد لمؤازرته قدر إمكانها على حل المشكلات التي تعترضه، في مجال سعيه لانتظام الأمور. لكن الزيارة التي استقطبت اهتمام المراقبين والمتابعين، كانت تلك التي قام بها الشيباني الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأكّد فيها الأول عدم رغبة بلاده في الدخول بمواجهة مع المكوّن الشيعي، ليس من باب الخشية من الثمن المكلف لهذه المواجهة فحسب، والتي ترتد سلبا على الجانبين، بل من باب رغبة النظام الجديد في سوريا اعتماد نهج مختلف عن ذلك الذي اعتمدته الأنظمة التي تعاقبت عليها في التعامل مع لبنان.

 

دخلت الأحاديث التي دارت بين الرئيس بري والوزير الشيباني في صلب الموضوعات الراهنة والملفات المعقدة والمتوارثة، وكانت المفاجأة، المقاربة السورية المرنة لموضوع “حزب الله” والعلاقة المستقبلية معه، وعدم الممانعة في الجلوس معه على طاولة واحدة للتفاوض إذا اقتضت الأحوال ومصلحة البلدين ذلك. وبطبيعة الحال، فإن هذا الأمر ليس على نار حامية وهو خاضع لاعتبارات عدة، فقد تمحو تطورات السياسة الدولية والإقليمية ذات ليل، كلام الشيباني أمام بري ذات نهار، لأن هذه التطورات متسارعة ومتدحرجة، خصوصاً بوجود الرئيس ترامب الذي ينام معه العالم على موقف ليصحو في اليوم التالي على نقيضه، لكن إذا كانت النيات بالأفعال، فإن إشهارها يمثل ما بدا من إيجابية. هي دليل تقدّم وتطوّر في الاستعدادات، تساعد في فهم أوضح للأوضاع وتفتح كوّة أمل في جدار الشكوك وعلامات الاستفهام.

 

باستثناء محطتي بعبدا وعينِ التينة، فإن جولة وزير الخارجية السورية طغى عليها الطابع البروتوكولي، على رغم من “الهيصة الإعلامية” التي حاولت بعض الجهات التي خصّها بزيارته، أن تثيرها لأغراض الاستثمار السياسي، حتماً من دون أن يقلل ذلك من أهمية إعلان إنشاء اللجنة العليا المشتركة بين لبنان وسوريا من السراي الحكومي في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس نواف سلام، كذلك اللقاء مع رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي”، سابقاً وليد جنبلاط، الذي كعادته صاحب رؤية ثاقبة. يجيد قراءة التحوّلات والتعامل معها، فكان أول زائري دمشق من بين الزعماء اللبنانيين بُعيد تهاوي نظام الأسد. وللتذكير، فإنّ رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي قام بزيارة دمشق والتقى الرئيس أحمد الشرع غداة تسلّمه مقاليد الرئاسة. كان من الطبيعي أن يزور الشيباني مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، على اعتبار أن النظام الجديد اليوم في سوريا أعاد تصحيح ما اعتبره السنّة خللا في تركيبة الحكم والتوازنات فيه، وأنّ هذا النظام يخطو في اتجاه تثبيت وضعه كمرجعية سُنّية في هذه المنطقة، سيكون لها تأثيرها على لبنان بشكل أو بآخر، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استنساخا لمرحلة حكم الأسد بأساليبها وآليات عملها، والافعال هي من تثبت النيات أو تدحضها.

إلّا أن اللافت، أن وزير الخارجية السورية أسعد الشيباني زار البطريرك الماروني مار بشاره بطرس الراعي في بكركي، في بادرة أراد أن يُظهر فيها احترام حكومته للتنوّع اللبناني، مع أنّها-أي حكومته-تعثّرت في إدارته ومنع الاحداث التي طاولت مكوّنات سورية لا تزال تعيش الخوف، ويتملّكها الحذر، ولو أنها بحاجة إلى ترجمة عملية. مراجعجغرافية

 

أمّا في شأن زيارة طرابلس، فالتفسيرات في شأنها شتّى. هناك من اعتبرها دغدغة لمشاعر بعض الجهات، وهناك من رأى فيها بادرة امتنان لاحتضان المدينة الثورة السورية في عزّ احتدام المواجهة بينها وبين النظام السابق. وهناك من رأى فيها عراضة واستعراضا. وثمة من شاء الّا يحمّلها فوق ما تحمل وبأنها لا تستحق التعمُّق في درس دلالاتها، معتبرا أنّها “هبّة عاطفية” لا أكثر.

 

خلاصة القول: إنّها زيارة -حدث… لا بدّ منها… فيها قدر وازن من الإيجابية… وكان يمكن أن يكون لمفعولها تأثير أوسع وأكثر فائدة، لولا انتقائية الزيارات التي قام بها من يرى فيه المراقبون صاحب الدور المحوري والرئيس في النظام السوري الجديد.