Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر June 4, 2026
A A A
قراءة أولية لبيان المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية.. متاهة أم فخ أم تمهيد لحل؟
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

أفضت جولة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية إلى إصدار بيان يتضمن إتفاقا لوقف إطلاق النار، إضافة إلى سلسلة من البنود المرتبطة به يحتاج كل منها إلى كثير من التفسيرات والاجتهادات لمعرفة آلية التنفيذ، في ظل تجارب غير مشجعة مع العدو الإسرائيلي الذي يستغل الاتفاقات للاستمرار في عدوانه كما حصل في لبنان بعد اتفاق 2024 وكما هو حاصل اليوم في غزة وسوريا.

لا شك في أن الضغط الذي مارسته ايران على الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفعته إلى بذل جهود مضاعفة للوصول إلى وقف إطلاق النار، لكنه عمل في الوقت نفسه وبحسب البيان على فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني بشكل كامل لمصلحة الرعاية الأميركية الشاملة.

في قراءة أولية وسريعة للبيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية عقب انتهاء الجولة الثانية من المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية المباشرة في مرحلتها الخامسة، يتبين ان ما تم الاتفاق عليه هو مجرد تصور لوقف إطلاق النار وفق مجموعة من الشروط والإجراءات التنفيذية.

أي أن مضمون البيان غير قابل للتنفيذ الفوري بل هو أقرب إلى “متاهة” قد يضيع لبنان في مساراتها المعقدة، خصوصا أن الشروط المطروحة لا تزال موضع خلاف كبير سواء في الداخل اللبناني أو بين لبنان وإسرائيل.

البيان الأميركي اشترط وقف عمليات حزب الله وإخلاء مواقعه في المنطقة الواقعة جنوب الليطاني كمدخل أساسي لبدء تنفيذ التفاهمات المقترحة، لكنه لم يتضمن أي إشارة إلى الانسحاب الإسرائيلي ولم يحدد أية مهلة زمنية لذلك، علما ان اتفاق تشرين الثاني 2024 أعطى إسرائيل مهلة ستين يوما للانسحاب من النقاط الخمس ولم تلتزم بها بل عملت على توسيع احتلالها وزيادة اعتداءاتها على مدار خمسة عشر شهرا، فمن يضمن عدم قيام الكيان بتكرار السيناريو نفسه في المرحلة المقبلة.

ولعل أكثر النقاط إثارة للجدل، هي في الحديث عن المناطق التجريبية التي يُفترض ان تشكل نموذجًا أوليا لتطبيق الترتيبات الأمنية الجديدة، علمًا أن هذه المناطق بحسب البيان تبقى مشروطة بانسحاب كامل لحزب الله من جنوب الليطاني وبتأكيد قدرة السلطة اللبنانية على بسط نفوذها العسكري عليها، في ظل تجاهل وجود الاحتلال، وهذا ما يوحي بفخ سياسي وأمني، إذ يمكن لإسرائيل ان تحولها إلى مناطق اختبار دائمة وتعلن في أي مرحلة كما هي العادة ان الجانب اللبناني أخفق في تنفيذ التزاماته لتعطي لنفسها ذريعة لاستئناف اعتداءاتها.

وكان حزب الله سبق وأعلن ان لا عودة إلى ما قبل الثاني من آذار، وأنه لن يوقف الرد على العدوان إذا لم يصر إلى وقف شامل لإطلاق النار وتحديد مواعيد للانسحاب، خصوصا أن أي وقف لإطلاق النار من دون ربطه بالانسحاب سيؤدي إلى تكريس الاحتلال والى قيام جيش العدو بتثبيت مواقعه في المناطق التي احتلها.

وهذا من شأنه أن يجعل آلية تنفيذ أي اتفاق موضع نزاع، خصوصا في ظل سعي أميركي إسرائيلي إلى احتفاظ الكيان الصهيونى بحرية الحركة داخل الأراضي اللبنانية والتي وردت في ورقة وزارة الخارجية عقب الجلسة التفاوضية الثانية، الأمر الذي يتعارض مع مفهوم السيادة اللبنانية.

وتكشف القراءة الأولية ان البيان يتضمن ثلاثة تصورات، كل تصور يقدم لطرف من الأطراف الثلاثة ما يريد، فالأميركي يسعى إلى إيجاد آلية تدريجية لوقف النار بما يخدم مصلحة إسرائيل، والإسرائيلي يركز على المطالب الأمنية وابعاد حزب الله عن الحدود ودفع السلطة اللبنانية لسحب سلاحه، وفي ذلك سعي إلى إثارة فتنة داخلية يتطلع اليها العدو، واللبناني يستند إلى ضرورة احترام حدوده المعترف بها دوليا والحفاظ على السيادة اللبنانية والانسحاب الإسرائيلي، بما يتعارض فعليًا مع مشروع نتنياهو الذي يربط جنوب لبنان بجنوب سوريا.

وتُظهر القراءة أيضا، سعي الجانب الأميركي إلى استمرار الجلسات التفاوضية حيث جرى تحديد يوم 22 حزيران الجاري لانعقاد جلسة تفاوضية سادسة، وذلك في محاولة لايجاد اتفاقات أمنية وسياسية وصولا إلى التطبيع الذي لطالما طالب به الإسرائيلي لاستخدامه كورقة قوة في الداخل الإسرائيلي.

لا شك وبحسب القراءة الأولية أن الاتفاق على وقف إطلاق النار قد يصطدم بعقبات سياسية وأمنية ولوجستية، كما أنه يطرح تساؤلات جوهرية حول مصير القرار 1701 وآليات تنفيذه، وعن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 ولجنة الميكانيزم؟ وهل الاتفاق الجديد يشكل بديلا قد يؤدي عمليا إلى تجاوز القرار الدولي نحو ترتيبات أمنية جديدة؟

كذلك، هل تستطيع الدولة اللبنانية إثبات قدرتها على بسط سلطتها الكاملة بما يقطع الطريق على أي ذرائع إسرائيلية، أم أن “المناطق التجريبية” ستتحول إلى أداة ضغط دائمة تعرقل الوصول إلى وقف إطلاق نار مستدام؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد ليس فقط مستقبل المبادرة الأميركية، بل أيضاً مستقبل الاستقرار على الحدود اللبنانية الجنوبية، ومصير الإطار القانوني والسياسي الذي حكم المنطقة منذ صدور القرار 1701 وحتى اليوم.