Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر May 4, 2026
A A A
عض الأصابع ومَن يصرخ أولا؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

يروّج الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروايتين، وتشترك معه قنوات إعلامية عربية وعالمية في ذلك، مستفيداً من كونه المتحدث السياسي الأكثر كثافة وحضوراً في الإعلام، وتقول الرواية الأولى إنه جاهز لخيار عسكري ضخم وفعال، لكنه يفضل إعطاء الفرصة للتفاوض؛ بينما تقول الرواية الثانية إن الحصار البحري الذي يفرضه على الموانئ الإيرانية يثبت فعاليته ويجعل الاقتصاد الإيراني على شفا الانهيار، مما يدفع القيادة الإيرانية للبحث عن حل بأي ثمن، وتأتي المقترحات الإيرانية التفاوضية ليتم تقديمها من الجانب الأميركي كدليل على مصداقية رواية ترامب، والقول إن العروض الإيرانية تتضمن -الواحد تلو الآخر- المزيد من التنازلات.

 

– لا بد هنا من العودة إلى ما تسرّب حول العروض الإيرانية، ومقارنته بما قدّمته إيران منذ بداية مسار الحرب والتفاوض بين إيران وأميركا، وهي: أولاً، التمسك بحق تخصيب اليورانيوم والاستعداد للتفاوض حول نسبة التخصيب ومدة معينة لتعليق التخصيب، المعلق أصلاً والذي يحتاج وقتاً لاستئناف العمل به مجدداً كما يقول الإيرانيون، والاستعداد لتخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم عالي التخصيب أو إخراجه من إيران لدول صديقة. وثانياً، ربط مسار التفاوض حول الملف النووي بجدول زمني لرفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. وثالثاً، استبعاد التفاوض حول البرنامج الصاروخي وبرنامج الطائرات المسيرة في إيران. ورابعاً، رفض كل المطالبات بقطع علاقة إيران مع حلفائها من قوى المقاومة. وأضافت إيران بعد الحرب الأخيرة مطالبتها بالتعويضات أو بخطة لإعادة الإعمار ومن ضمنها صيغة لإدارة مضيق هرمز يكون لإيران عائد منها، وربط وقف الحرب بين طهران وواشنطن بشمولها كل حروب المنطقة، وخصوصاً ما يتصل بحروب “إسرائيل” على قوى المقاومة وخصوصاً في لبنان.

 

– في المقترحات الأخيرة التي قالت قناة الجزيرة إنها حصلت عليها، تقدم إيران تبويباً لهذه المطالب وجدولة لها، ولا يبدو أنها تراجعت عن أي من ثوابتها إلا من حيث اللغة المرنة، أو من حيث تقديم أمثلة افتراضية كالقول إنه يمكن مناقشة تعليق تخصيب اليورانيوم إلى مدة قد تصل إلى 15 سنة، كمشروع للتفاوض، وربط المهل الزمنية للتعليق بالمهل الزمنية لرفع العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة؛ بل إن إيران التي كانت تفاوض عشية الحرب حول بنود حل للملف النووي، تصر في مقترحاتها على تأجيل التفاوض حول الملف النووي إلى ما بعد تثبيت إنهاء الحرب بضمانات دولية، بينما تبدي الاستعداد لفتح مضيق هرمز مقابل وقف الحرب ورفع الحصار، وتترك النقاش حول إدارة مضيق هرمز وجباية عائدات منه إلى بند التعويضات وإعادة الإعمار. ويمكن الاستخلاص من المقترح الأول والرد عليه والرد على التعديلات ثم تلقي تعديلات والرد عليها وفق الصيغة النهائية التي تحدثت عنها الجزيرة، أن الأميركيين لم يشترطوا إدخال بند البرنامج الصاروخي – الذي يشكل أولوية الأولويات الإسرائيلية – إلى التفاوض، ولا أنهم رفضوا ما يُفهم أنه شرط إيراني جديد وتعبير عن تعاظم قوتها ومكانتها، وهو شرط إنهاء الحرب الإسرائيلية في لبنان ضمن عنوان إنهاء حروب المنطقة، والتزام حلفاء أميركا وإيران بوقف الحرب، والالتزام الصعب هنا يتصل بمصير مشاريع “إسرائيل” بما يشكل نصراً عملياً لقوى المقاومة.

 

– الحديث عن الحصار وفعاليته هو في الحقيقة أقرب للبروباغندا التي انتشرت وصار البعض يكررها بصفتها ثابتاً لا يقبل النقاش، بينما لا تزال إيران ترسل ناقلاتها النفطية إلى الصين والهند رغم الحصار، والتخفيض الذي قامت به إيران لإنتاجها بنسبة 20% استباقاً لأي حاجة لتخفيض التصدير البحري استعداداً لفرضيات الحصار المشدد يجعل إيران أقدر على الصمود، والنسبة سبق لإيران أن اعتمدتها مراراً، لأن الباقي من إنتاجها يتم تكريره لحاجات السوق المحلية بمعدل مليوني برميل يومياً من أصل 3.5 مليون برميل، بينما تصدر إيران عبر تركيا وأذربيجان كمية 750 ألف برميل يومياً، إضافة إلى كمية من المشتقات النفطية إلى كل من باكستان وأفغانستان. أما على مستوى الاستيراد، فإن المعلوم أن إيران تنتج غالبية حاجات الاستهلاك لسوقها، وقد حققت درجة عالية من الاكتفاء الذاتي الغذائي، وعموماً غالب المستوردات تأتي عبر السوقين التركي والباكستاني.

 

– لجهة الحديث عن الخيار العسكري، يكفي التذكير بأن ترامب خاض حربين متتاليتين على إيران غير آبهٍ بالإيجابيات التي كانت تجري على المسار التفاوضي كما يؤكد الوسطاء، لمجرد اقتناعه بوجود فرصة لإسقاط النظام الإسلامي في إيران، بينما يعلم بعد هذه الحرب أن أي عمل عسكري – مهما كان ضخماً – فإن تداعياته على المنطقة قد تفوق قدرتها على التحمل، بينما لن يسقط النظام في إيران رغم ما قد تحمله من تدمير وأضرار، بحيث يبدو مسار التفاوض هذه المرة تعبيراً عن انسداد طريق تعديل موازين القوى عبر المزيد من الاعتماد على الخيار العسكري، والقناعة بأن تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية أسرع خطىً وأكثر خطورة من تأثير الحصار على إيران.