Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر May 4, 2026
A A A
بعض الكلمات أشدُّ فتكاً من العدوان

كتب الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى

رشحت في الأيام الأخيرة معلوماتٌ خطيرة عن وجود أمر عمليات خارجي، يهدف إلى إشعال السجال بين اللبنانيّين، ودفعهم إلى الإنزلاق نحو فتنةٍ داخلية تُريح العدو وتمنحه ما عجز عن انتزاعه بالحرب والعدوان. وإذا صحّت هذه المعطيات، أو حتى إذا كان احتمالها قائماً، فإنّ أوّل واجبٍ وطني وأخلاقي كان يقتضي من العقلاء والواعين والمستشرفين أن يبادروا فوراً إلى تحذير مناصريهم، وأن يلفتوا الأنظار إلى خطورة الانجرار خلف الاستفزاز، وإلى أنّ بعض الكلمات قد تكون أشدّ فتكاً من القذائف.

 

في لحظات التوتّر، لا تكون الحكمة في سرعة الردّ، بل في القدرة على ضبط النفس، لأنّ من يعرف أنّ هناك مَن يريد إشعال النار لا يجوز له أن يحمل الوقود بيدَيه. كان المطلوب خطاباً واضحاً يقول للناس: لا تردّوا على الإساءة بإساءة، لا تجعلوا من غضبكم أداةً في مشروع غيركم، لا تسمحوا لمَن يريد خراب الداخل أن يجد فيكم جنوده المجّانيّين.

 

 

 

فما الفائدة مثلاً من أن تُقابَل الإساءة إلى سماحة الشيخ نعيم قاسم وإلى المقاومين بإساءةٍ مقابلة إلى شخص البطريرك الماروني ورمزيّته الوطنية والروحية؟ أيّ منطقٍ يُبرّر ذلك؟ وأي مصلحةٍ للبنان في تحويل الخلاف السياسي إلى جرحٍ طائفي مفتوح؟ إنّ البطريركية المارونية ليست شخصاً عابراً في المشهد اللبناني، والاعتداء المعنوي عليها لا يخدم إلّا مشروع الشقاق.

 

 

 

واحترام الرموز الوطنية والروحية لا يعني إلغاء حق النقاش السياسي أو منع الاختلاف في الرأي، بل يعني أن يبقى هذا الاختلاف ضمن حدود المسؤولية الوطنية والأخلاقية، بعيداً من الإهانة والتجريح والتحريض، لأنّ النقد شيء، واستباحة المقامات الجامعة شيء آخر تماماً.

 

الردّ على الخطأ لا يكون بتوسيع دائرة الخطأ، بل بإطفائه. ومَن يظنّ أنّه ينتصر لكرامته عبر إهانة رمزٍ آخر، إنّما يفتح باباً لا يعرف كيف يُغلقه لاحقاً. الشتيمة لا تُنتج حقاً، والتحريض لا يبني وطناً، والفتنة حين تبدأ لا تسأل مَن أشعلها أوّلاً، بل تأكل الجميع بلا تمييز.

 

 

 

كذلك، لا يجوز أن يتحوّل من حَمَل روحه على كفّه دفاعاً عن لبنان إلى هدفٍ للسباب أو مادةٍ للتشكيك، لأنّ من قدّم نفسه في مواجهة العدو لا يُقاس بمنطق الخصومة اليومية، ولا يُختصر بخلافٍ سياسي عابرٍ أو مستديم. قد تتباين المواقف وتختلف القراءات، لكنّ الدم الذي سُفك دفاعاً عن الأرض والكرامة يجب أن يبقى فوق التجاذبات، لأنّ احترام التضحيات ليس موقفاً فئوياً بل واجبٌ وطني وأخلاقي.

 

فالجحود تجاه مَن بذلوا أرواحهم لا يطعنهم وحدهم، بل يطعن ذاكرة الوطن نفسها، ويُضعف مناعة المجتمع في وجه مَن لا يزال يتربّص بالجميع.

 

 

 

لقد علّمنا التاريخ اللبناني، أنّ الحروب تبدأ غالباً بكلمات، وأنّ الانقسام لا يولد فجأة بل يتراكم من تراشقٍ لفظي يظنّه البعض عابراً. ولذلك فإنّ المسؤولية اليوم تقع على النخب قبل الجمهور، وعلى القيادات قبل المناصرين، وعلى أصحاب المنابر قبل أصحاب التعليقات العابرة. فالكلمة في زمن الخطر ليست تفصيلاً، بل موقفٌ وطني كامل.

 

لبنان اليوم لا يحتاج إلى «مطبّلين» على الشاشات، بل إلى حكماء يُطفئون الحرائق قبل أن تتمدّد. يحتاج إلى مَن يقول للمناصرين: كرامتكم لا تُصان بالسباب، ووفاؤكم لا يُثبت بالإهانة، وانتماؤكم الحقيقي يظهر حين ترفضون أن تكونوا وقوداً في معركة يريدها العدو بين أبناء الوطن الواحد.

 

 

 

فالوطن لا يسقط دائماً بصاروخٍ من الخارج، بل قد يسقط أحياناً بكلمةٍ طائشة من الداخل. وليس أخطر من العدوان الخارجي إلّا أن نتحوّل نحن إلى أدواته من حيث لا ندري. وليس أشرف من الدفاع عن المقاومة إلّا حماية الوطن من الفتنة، وليس أصدق من محبة لبنان إلّا أن نرفض الانتصار لأنفسنا إذا كان ثمنه خسارة الوطن.