Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر September 14, 2026
A A A
شرق يبني للمستقبل وغرب في الماضي يخسر الحاضر
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

جاء إعلان نيودلهي الصادر عن القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس وثيقة استثنائية في حجمها وشمولها. فهو يتألف من 140 فقرة، ويتناول إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالميّة، ورفض العقوبات والإجراءات الحمائية الأحادية، وتطوير التسويات بالعملات الوطنية ومنظومات الدفع والتحويلات المصرفية، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد، والتعاون في الذكاء الاصطناعي والفضاء والاتصالات والصحة والطاقة والغذاء والمعادن الحيوية وسلاسل التوريد. ويُضاف إلى ذلك ملف الحروب والأزمات الدولية، من فلسطين وإيران ولبنان وسورية إلى أوكرانيا والسودان. ولذلك لا يُشبه الإعلان بيانات القمم التقليدية التي تكتفي بتسجيل المواقف، بل يبدو أقرب إلى برنامج عمل طويل الأجل لمجموعة تريد الانتقال من التنسيق السياسي إلى بناء مؤسسات القوة.

تضم بريكس اليوم الدول الخمس المؤسسة، الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ومعها مصر وإثيوبيا وإيران والإمارات وإندونيسيا، بينما تحيط بها دائرة من عشر دول شريكة مرشّحة للاندماج التدريجي في آلياتها. ويبلغ عدد سكان الدول الأعضاء قرابة أربعة مليارات نسمة، أي نحو نصف سكان العالم، مقابل أقل من مليار للسبع الكبار، أي الغرب، ويرتفع مع الشركاء إلى نحو أربعة مليارات ونصف المليار. وتمتدّ دول المجموعة على أكثر من 45 مليون كيلومتر مربع، مقابل نحو 22 مليوناً للدول السبع التي تمثل الغرب، وترتفع مساحة بريكس مع الشركاء إلى أكثر من 50 مليوناً. وتنتج الدول الأعضاء أكثر من 40 في المئة من الناتج العالمي محسوباً بالقوة الشرائية، مقابل نحو 28 في المئة للسبع، أما عسكرياً، فيقارب إنفاق بريكس 700 مليار دولار سنوياً، مقابل نحو 1.35 تريليون للسبع، لكن 954 ملياراً من إنفاق السبع أميركي، ما يكشف أن قوتها العسكرية ليست جماعيّة بقدر ما هي اعتماد على القدرة الأميركية، وبمقارنة ما تفعله 700 مليار في دول بريكس وما يصنعه ويشتريه 1.3 تريليون في دول السبع تبدو قيمة ما تنفقه بريكس تعادل 3 تريليونات كقدرة شرائية لأنواع السلاح ذاته في “السبع”.

انعقدت القمة في الذكرى العشرين لانطلاق مسار بريكس، الذي بدأ بلقاء وزراء خارجيّة الدول الأربع عام 2006، ثم عقد قمته الأولى عام 2009، وانضمّت إليه جنوب أفريقيا عام 2011. وفي عام 2015 بدأ بنك التنمية الجديد عمله، قبل أن تأتي موجة التوسع الكبرى منذ عام 2024. وبهذا المعنى تمثل قمة نيودلهي محطة في مسار تاريخي متدرج، من التشاور بين قوى صاعدة، إلى إنشاء مؤسسة تمويل، ثم توسيع العضوية، وصولاً إلى محاولة تشكيل منظومة تعاون موازية في الاقتصاد والمال والتكنولوجيا. إنها ليست إعلان حرب على النظام القائم، بل إعلان أن هذا النظام لم يعد قادراً على احتكار الشرعية والتمويل والتكنولوجيا وصناعة القرار.

تكمن الأهمية العمليّة لإعلان نيودلهي في ربط الموقف السياسي بالأدوات. فقد أقرّ مواصلة العمل على استراتيجية الشراكة الاقتصادية لبريكس حتى عام 2030، وتفعيل فريق عمل المدفوعات لدراسة قابلية الربط بين قنوات الدفع والرسائل المصرفية، وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار، من دون فرض نموذج واحد على الدول الأعضاء. كما دعم توسيع تمويل بنك التنمية الجديد بالعملات المحلية، بحيث لا تبقى مشاريع الدول النامية رهينة الدولار وأسواق الاقتراض الغربية. وهذه الخطوات لا تعني إعلان عملة موحدة أو إنشاء بديل مكتمل لنظام «سويفت»، لكنها تبني تدريجياً البنية التحتية التي تجعل التجارة ممكنة عندما تتحوّل العقوبات والدولار وشبكات التحويل إلى أدوات إكراه سياسي.

ويمتدّ البناء إلى مصادر القوة الجديدة. فالإعلان يدعم التعاون في الذكاء الاصطناعي، ومستودع بريكس للعلوم والأبحاث، والتقنيات الكمية، وتوسيع كوكبة أقمار الاستشعار عن بُعد، وإنشاء مجلس للتعاون الفضائي، إضافة إلى حماية سلاسل التوريد وتطوير القدرة على إنتاج المعادن الحيوية وتصنيعها بدلاً من الاكتفاء بتصديرها خاماً. والمعنى الأهم أن المجموعة تريد وصل السوق الكبيرة بالمعرفة والتكنولوجيا والتمويل. وقد استضافت الهند خلال رئاستها أكثر من أربعمئة اجتماع وفعاليّة في ثلاثين مدينة، ما يكشف أن بريكس لم تعُد قمة سنوية فقط، بل شبكة واسعة من المجالس والمنتديات ومجموعات العمل الوزارية والعلمية والاقتصادية، وهذا ما يظهره البيان في الإشارة إلى 83 لجنة متخصّصة ومنظمة مستقلة بمواكبة ومتابعة وإدارة ملفات ومشاريع، منها 41 منظمة ومؤسسة مستقلة تضمّ مئات المتفرّغين وتستعين بآلاف الخبراء والمستشارين.

سياسياً، أعاد الإعلان تثبيت مطلب عالم متعدد الأقطاب، وإصلاح مجلس الأمن وزيادة تمثيل أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ودعم تطلّع الهند والبرازيل إلى دور أكبر فيه. كما دعا إلى إصلاح حصص التصويت في صندوق النقد والبنك الدولي، ورفض العقوبات والتدابير الجمركية الأحادية، والتمسك بالتسوية السياسية للنزاعات واحترام سيادة الدول. واعتمد نهجاً إصلاحياً مطلبياً تعبيراً عن منهج الحرب الناعمة، ولذلك تجنّب تسمية الولايات المتحدة في معظم مواضع الإدانة، ولم يحوّل بريكس إلى تحالف عسكري أو جبهة سياسية مغلقة.

أما في منطقتنا، فقد نجح الإعلان في تقديم الدعم اللازم لإيران بلغة أكثر سلاسة ونعومة من بيان قمة شانغهاي الواضح سعياً لجني موافقة أطراف مختلفة على الساحة الدولية يخاطبها البيان، عبر تأكيد حق دول اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية بالحماية من الحرب، ورفض نظام العقوبات، والتمسك بحل النزاعات عبر التفاوض، وفي فلسطين أكد مركزية القضية وحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة ورفض استهداف المدنيين والتهجير، وفي لبنان أعاد التركيز على مكانة القرار 1701 في حماية حقوق لبنان السيادية، أما في سورية فقد كان لافتاً إعادة التذكير بالقرار 2254 الذي ينص على عملية سياسية تشارك فيها كل مكوّنات المجتمع السوري بإشراف أممي لتشكيل مجلس حكم انتقالي يضع دستوراً جديداً خلال عام وينتج انتخابات برلمانية ورئاسية خلال سنة ونصف، مطالباً بترحيل المقاتلين الأجانب الذين اعتبرهم قنبلة إرهابية موقوتة.

الخلاصة أن بريكس التي لا تقدّم نفسها نظاماً عالمياً بديلاً، انتقلت في نيودلهي من إعلان الاعتراض على النظام القديم إلى وضع خرائط ومؤسسات وأدوات النظام الذي يتكوّن.