Beirut weather 28.54 ° C
تاريخ النشر June 23, 2026
A A A
سليمان فرنجية… وازدواجية المعايير
الكاتب: داڤيد عيسى

كتب السياسي اللبناني دافيد عيسى:

في الحياة السياسية، من الطبيعي أن تتباين الآراء وتتعدد المواقف، ومن حق الناس أن ينتقدوا ويعارضوا ويعبّروا عن قناعاتهم بحرية، ما دامت مواقفهم تندرج في إطار الرأي السياسي المشروع، ولا تتسبب في أذى أو تحريض أو إساءة.

فالأصل في أي نظام قانوني عادل أن يُحاسَب الإنسان على أفعال مثبتة بأدلة واضحة، وضمن إجراءات قانونية شفافة تكفل حق الدفاع والاعتراض، لا على آرائه أو خياراته السياسية أو انتماءاته.

ومن هذا المنطلق أيضًا، أقول إن الأخلاق السياسية الحقيقية لا تظهر في التعامل مع من نتفق معهم، بل تتجلى عندما نقول لخصومنا السياسيين:
“نختلف معكم في الرأي السياسي، لكننا نرفض أن تُظلَموا.”

فالدفاع عن العدالة والحقوق لا ينبغي أن يكون رهينة الانتماءات والمواقف، لأن قيمة المبدأ تُقاس بقدرتنا على التمسك به حتى عندما يتعلق الأمر بمن نختلف معهم سياسيًا.

فالاختلاف السياسي لا يبرر الظلم، والعدالة الحقيقية تُقاس بقدرتنا على تطبيق المبادئ نفسها على الجميع من دون استثناء أو انتقائية.

ومن هنا، فإن قرار الولايات المتحدة الأمريكية فرض عقوبات على رئيس تيار المردة الوزير السابق سليمان فرنجية يثير أسئلة مشروعة حول طبيعة هذه العقوبات الدولية والأسس التي تستند إليها والمعايير التي تحكم استخدامها.

وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يتعلق الأمر بشخصية سياسية حاضرة في الحياة العامة اللبنانية منذ عقود.

سليمان فرنجية ليس اسمًا طارئًا على المشهد السياسي، بل ينتمي إلى عائلة سياسية لعبت دورًا بارزًا في تاريخ لبنان، وتولى على مدى سنوات طويلة مسؤوليات وزارية ونيابية، وكان جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية اللبنانية بكل تعقيداتها وتحولاتها.

وقد انخرط في العمل السياسي من داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية، وخاض الاستحقاق الرئاسي ضمن الأطر الديمقراطية المرعية الإجراء.
كما أن توجهاته السياسية وتحالفاته كانت معلنة وثابتة ولم تكن يومًا خافية على أحد، سواء في الداخل اللبناني أو على المستوى الدولي. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ موضع تواصل وانفتاح من قبل معظم السفراء المعتمدين في لبنان الذين اعتادوا زيارته في منزله وإجراء المشاورات معه وهم على بيّنة كاملة من مواقفه السياسية.

ورغم تأييد فرنجية للمقاومة سياسيًا في مواجهة إسرائيل، فإن هذا الموقف بقي ضمن إطار قناعة سياسية معلنة ومعروفة، ولم يتحول يومًا إلى خطاب تحريضي أو إقصائي تجاه أي طرف داخلي أو أي دولة خارجية، بل ظل جزءًا من مقاربة سياسية واضحة للصراع مع إسرائيل.

ويبقى هذا الموقف جزءًا من حق أي سياسي في التعبير عن قناعاته وخياراته ضمن إطار العمل السياسي المشروع.

وانطلاقًا من ذلك، يبرز تساؤل حول توقيت هذه العقوبات: لماذا اتُّخذ هذا القرار الآن، فيما كانت هذه المواقف والتحالفات معروفة ومعلنة منذ سنوات؟ وهل يستند القرار إلى اعتبارات قانونية بحتة، أم أنه يحمل أبعادًا سياسية؟

واستطرادًا، إذا كان الانتماء السياسي أو التأييد لحزب الله يشكّل مبررًا لفرض عقوبات على شخصيات لبنانية، فكيف يمكن التوفيق بين هذا التوجه وبين إبرام الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة تفاهم مع إيران، إلى جانب المفاوضات المباشرة القائمة بين الطرفين حاليًا في سويسرا، في حين تُعدّ إيران الداعم الأساسي لحزب الله على المستويات السياسية والعسكرية والمالية؟

أليس من حق اللبنانيين أن يتساءلوا عن مدى انسجام هذه المعايير وعدالتها؟ وكيف يمكن تبرير هذا النهج الانتقائي الذي يجعل الفعل نفسه سببًا للعقوبات في حالة، فيما يُعدّ مقبولًا ومباحًا في حالة أخرى؟

كما أن من الضروري التنبه إلى أن ما يُطبَّق اليوم على شخص قد يُطبَّق غدًا على أشخاص أخرين ايضآ، ما يجعل احترام مبدأ العدالة المتساوية مصلحة للجميع.”

لذلك فإن الدفاع عن العدالة والشفافية وحق الاعتراض ليس دفاعًا عن فرد أو جهة سياسية بعينها، بل دفاع عن مبدأ يحمي الجميع من أي استنسابية أو انتقائية محتملة في المستقبل.

كما أن القرارات التي تطال شخصيات لبنانية فاعلة في الحياة السياسية تثير بطبيعتها تساؤلات تتعلق بدور المؤسسات اللبنانية نفسها، وبمدى قدرة الدولة على أن تكون المرجعية الأولى في مساءلة مواطنيها ومحاسبتهم وفق قوانينها ومؤسساتها القضائية.

أما المبدأ الذي ينبغي أن يبقى فوق كل اعتبار، فهو أن الديمقراطية لا تعاقب الأفكار ولا تجرّم القناعات السياسية، بل تحاسب الأفعال والمخالفات عندما تثبت بالأدلة ووفق الأصول القانونية.

وفي النهاية، قد نختلف في السياسة، وقد تتباين قراءاتنا للأحداث والتحالفات، لكن حق الإنسان في العدالة، وفي معرفة أسباب الاتهام الموجه إليه، وفي الدفاع عن نفسه، يجب أن يبقى حقًا ثابتًا لا يتغير بتغير المواقف والاصطفافات.

فالدول تُقاس بقوة مؤسساتها، أما المجتمعات فتُقاس بقدرتها على التمسك بالإنصاف حتى تجاه من تختلف معهم بالسياسة.

وفي الختام، وفي ضوء ما تقدم، فإن من واجب الدولة اللبنانية أن تتعامل مع هذا الملف بأقصى درجات الجدية والمسؤولية.

كما يفترض بالدولة أن تبادر إلى التواصل الرسمي مع الإدارة الأميركية للاستفسار عن الأسس القانونية والوقائع التي استند إليها قرار العقوبات، وأن تعمل على توضيح أسبابه وخلفياته أمام الرأي العام اللبناني، بما يحفظ حق اللبنانيين في المعرفة ويصون في الوقت نفسه هيبة الدولة ودورها في الدفاع عن مواطنيها ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية المعتمدة.

فالعدالة لا تكون عدالة إلا عندما تُطبَّق بمعيار واحد على الجميع، بعيدًا عن الانتقائية وازدواجية المعايير.