Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر October 27, 2026
A A A
حلف مكة في طهران: البحث عن مخرج لترامب

كتب ناصر قنديل 

 

تبدو قراءة زيارة وفد «تحالف مكة» إلى طهران، باعتبارها إنذار اللحظة الأخيرة قبل الحرب، أو مهمة لوضع خطوط حمراء أمام إيران خلالها، أسيرة النظر إلى المنطقة من زاوية التهديد الأميركي وحده. لكن الزيارة تستحقّ قراءة تبدأ من حاجة أصحابها إليها، ومن التحوّلات التي دفعت السعودية وتركيا وباكستان إلى الاجتماع مع القيادة الإيرانية. وقد أعلنت الخارجية السعودية أن هدفها خفض التصعيد وتشجيع الحلول الدبلوماسية ودعم الوساطتين القطرية والباكستانية، فيما تحدث الجانب الإيراني عن بناء آليات للأمن الإقليمي. هذه نقطة الانطلاق لفهم الحدث السياسي.

 

تأتي الزيارة في لحظة تتراكم فيها كلفة الحرب على أصحاب الرهان عليها. ترامب يواجه استحقاقاً انتخابياً تضغط عليه أسعار الطاقة وتراجع الرضا عن سياساته، ونتنياهو يدخل امتحانه الانتخابي من دون تحويل الحرب إلى حسم استراتيجي، بينما تواجه السعودية تصاعد الضغط اليمني على منشآتها ومطاراتها. وفي مثل هذه اللحظة، تصبح النصيحة التركية والباكستانية بالتفاهم مع إيران أكثر إقناعاً للرياض، لأن الحلفاء يستطيعون المساهمة في الدفاع، لكنهم لا يملكون وصفة تمنح السعودية استقراراً دائماً في ظل استمرار الحرب.

 

لقد كشفت المواجهة حدود الفصل بين أمن السعودية ومصير الحرب الإقليمية. يمكن استقدام منظومات اعتراض وخبراء وقطع عسكرية، لكن حماية الاستثمار والطيران والمنشآت النفطية تحتاج إلى إنهاء مصادر الاستنزاف. كما أن الدعم الخارجي المتاح للمملكة لا يتضمن اندفاعة إلى حرب برية تحسم اليمن. ومن هنا، يمكن قراءة الذهاب السعودي إلى طهران بوصفه انتقالاً نحو اختبار التسوية، بعدما ظهرت حدود الرهان على تغيير الوقائع بالقوة، وحدود قدرة الحلفاء على تحمّل كلفة هذا الرهان.

 

تحمل مشاركة خالد بن سلمان دلالة تتجاوز الاختصاص الوزاري. فهو شقيق ولي العهد وأحد أبرز أفراد الدائرة الحاكمة، ولذلك يكتسب حضوره وزناً سياسياً وعائلياً يختلف عن حضور مسؤول تقني يحمل ملفاً عسكرياً. إن إشراك شخصية بهذه المكانة يعني أن البحث يمس خيارات المملكة الكبرى وعلاقتها بمحيطها، وأن التفاهم المطلوب يحتاج إلى ضمانة من داخل مركز القرار. بهذا المعنى، تصبح الزيارة اختباراً لقدرة القيادة السعودية على الانتقال من طلب الحماية من نتائج الحرب إلى المشاركة في صناعة شروط إنهائها.

 

وتبرز هنا أهمية مراجعة المسار الذي أعقب مذكرة تفاهم إسلام آباد. فالسؤال السياسي الذي تطرحه تجربة تعطيل التفاهمات هو: هل تريد الرياض اتفاقاً يوقف الحرب، أم اتفاقاً يمنحها كل ما كانت تأمل الحصول عليه من الحرب؟ هذا هو السؤال نفسه الذي أثقل الموقف السعوديّ من الاتفاق النووي عام 2015. وأي عودة إلى التفاهم تحتاج إلى تجاوز منطق إضافة شروط إقليمية تحول التسوية الممكنة إلى مشروع لإعادة تشكيل موازين القوى. وقد سبق للسعودية ومصر وتركيا وباكستان أن رحبت بالمذكرة ودعت إلى اتفاق نهائيّ، بما يوفر مرجعية سياسية جاهزة لاستئناف المسار.

 

أما المدخل العملي، فهو الأمن الإقليمي وفي قلبه مضيق هرمز. تستطيع موافقة سعوديّة على تفاهم إيراني عُماني لتنظيم الملاحة أن تمنح الحل البحريّ غطاءً خليجياً، وأن تنقل النقاش إلى ضمانات العبور والمصالح المتبادلة. وتكتسب الدعوة العُمانيّة إلى اتفاق إقليمي لعدم الاعتداء أهميتها من تقديم بديل قابل للنقاش عن الاستناد الدائم إلى القوة الخارجيّة. لأن الدول التي تعيش حول المضيق تحتاج إلى قواعد تمنع الحرب وتحمي التجارة، وإلى التزامات متبادلة تجعل أمن كل منها مرتبطاً بأمن الآخرين.

 

ويتكامل هذا المسار مع التحرك الروسي. فقد أعلن الكرملين أن بوتين سيلتقي، الثلاثاء، الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في لقاءين متصلين بملف واحد هو الحرب ومسار التفاوض. يفتح هذا التزامن باب قراءة سياسية تجمع قناة الوساطة القطرية مع قدرة موسكو على المساهمة في معالجة العقدة النووية. ويمكن عندها توزيع العمل بين تفاهم إقليمي على الأمن والملاحة، وعودة إلى مذكرة إسلام آباد إطاراً لوقف الحرب، ومسار تفاوضيّ للملف النووي تدعمه الوساطة الروسية ودور قطري في حل قضية الأموال الإيرانية المجمدة.

 

وعند جمع هذه العناصر، تبدو زيارة وفد مكة أقرب إلى إعداد مخرج تحتاج إليه واشنطن وحلفاؤها. فالأسباب التي دفعت ترامب إلى قبول المذكرة عادت بثقل أكبر: تعذّر الحسم، واستمرار القدرة الإيرانية على الرد، واضطراب الطاقة، واتساع الاستنزاف، واقتراب الحساب الانتخابي وتراجع مخزون الدفاعات الصاروخية لدى أميركا ولدى حلفائها. والتهديد المتجدد يستطيع خدمة التفاوض ما دام عاجزاً عن تقديم ضمانة لنتيجة مختلفة للحرب. لذلك، فإن السؤال الذي تحمله حركة الوفود هو كيف تُصاغ التسوية، ومَن يضمنها، وكيف يُتاح لترامب أن يخرج من الحرب التي لم تحقق أهدافها.